بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في بروكسل، في ليلٍ أوروبيّ آخر، نامت مدينة واستيقظ جدار.وعلى الجدار، لم يكن هناك إعلان عن تخفيضات، ولا موعد لحفل موسيقي، ولا حتى شتيمة سياسية عابرة. كانت هناك صليب معقوف، تلك العلامة التي كان العالم يظن، بعد كل ما حدث، أنّها ماتت من الخجل. لكنها لم تمت.كانت فقط نائمة. تنتظر جدارا تنتظر يدا. وتنتظر إنسانا يقرر، في لحظة ما، أن يفتح لها الباب. على واجهة مسجد «الموحدين» في لاكن، عادت العلامة السوداء لتقول لنا شيئا أكثر رعبا من مجرد وجود كاره أو متطرف: أن الماضي لم يغادرنا قط. لقد غيّر ملابسه فقط. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. فالإنسان الحديث يمشي في شوارع مليئة بالهواتف الذكية، يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، يرسل صوره إلى الفضاء، ويستطيع أن يعرف، خلال ثوان, درجة الحرارة في طوكيو وسعر سهم في نيويورك. ثم يصل إلى جدار، فيرسم عليه رمزا عمره قرن.
يا للمفارقة. لقد اخترعنا آلة تستطيع كتابة قصيدة، ولم نستطع اختراع قلب لا يكره. صنعنا الأقمار الصناعية، وبقينا عاجزين عن مغادرة الكهف. الكهف نفسه الذي حذرنا منه أفلاطون. لكن كهفنا المعاصر أكثر أناقة: فيه أنترنت سريع، ومقاه جميلة، وسيارات كهربائية، وشاشات مضيئة، وفي داخله ما زال رجل بدائي يهمس للآخر: «احذر، إنه مختلف عنك». والمختلف، في هذه الحكاية، يمكن أن يكون مسلما أو يهوديا أو أسود أو مهاجرا أو غريبا أو امرأة ترتدي حجابا أو رجلا يحمل اسما لا يروق لصاحب الكراهية. تتغير الأسماء. تتغير الملابس. لكن المرض واحد. إنّه ذلك المرض القديم الذي يجعل الإنسان يرى في وجه الآخر مرآة لما يخافه في نفسه. الإسلاموفوبيا ليست مجرد خوف من الإسلام. ومعاداة السامية ليست مجرد كراهية لليهود. والعنصرية ليست مجرد حكم مسبق على لون البشرة.
إنها جميعا، في أعماقها، محاولة بائسة لتبسيط العالم. العالم معقد جدا، فيقرر الكاره أن يختصره. يقول: هذا مسلم، إذن هو كذا. هذا يهودي، إذن هو كذا. هذا أسود، إذن هو كذا. هذا مهاجر، إذن هو كذا. وبهذه الطريقة المريحة، يقتل الفرد داخل الجماعة. لم يعد أمامه إنسان له قصة، بل بطاقة هوية معلقة على جبهته. أمي خيرة، لو رأت ذلك، لقالت وهي تهز رأسها: «يا بنتي، اللي يحكم على الناس من لونهم واسمهم، كي اللي يحكم على الكتاب من الغلاف وما يقراش السطر الأول.» ثم تسكت قليلا، وتضيف: «واللي يكره الناس كامل، راهو غالبا ما عرفش روحو مزيان.» هذه الحكمة البسيطة تذهب أحيانا أبعد من ألف مؤتمر عن التسامح. لأن المشكلة ليست فقط في أن نكره الآخر. المشكلة أننا نخترع للآخر صورة لا تشبهه، ثم نكرهه بسبب الصورة التي اخترعناها نحن. وهنا تبلغ السخرية السوداء ذروتها.
الرجل الذي يرسم صليبا معقوفا على مسجد يتخيل أنه يحارب المسلمين. لكنه في الحقيقة يعيد إلى الشارع لغة الذين قتلوا الملايين باسم العرق والنقاء والتفوق. والرجل الذي يكره اليهود باسم الغضب السياسي لا يميز بين إنسان يهودي وبين دولة أو حكومة أو قرار سياسي. والرجل الذي يحتقر الأسود بسبب لون بشرته يتصرف كأن الميلانين جريمة وراثية. كل واحد منهم يحمل في جيبه آلة حاسبة غريبة: يجمع خطايا الملايين ويضعها في حساب فرد واحد. يا لها من رياضيات مريضة. وفي النهاية، يصبح الطفل مسؤولا عن جده. والجار مسؤولا عن دولة. والمسلم مسؤولا عن جريمة لم يرتكبها. واليهودي مسؤولا عن قرار حكومة لا يمثل كل يهود العالم. والأسود مسؤولا عن صورة رسمها عقل أبيض مريض منذ قرون. وهكذا يتحول التاريخ إلى محكمة لا تنتهي، والمتهمون يولدون قبل أن يعرفوا حتى لماذا يقفون في القفص. لكن ثمة شيء ينبغي ألا ننساه: الكراهية لا تبدأ دائما بالصراخ. أحيانا تبدأ بنكتة. ثم بصورة. ثم بكلمة. ثم بعبارة تبدو «عادية». ثم يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقاعدة إلى عادة، والعادة إلى قانون، والقانون إلى ظلم.
ولهذا فإن الصليب المعقوف على جدار مسجد ليس مجرد طلاء. إنّه تذكير بأن الكلمات والصور والرموز يمكن أن تكون أحجارا صغيرة في الطريق إلى هاوية كبيرة. ولهذا أيضاً فإن حماية المسلمين من الإسلاموفوبيا ليست منّة على المسلمين. وحماية اليهود من معاداة السامية ليست مجاملة لليهود. ومواجهة العنصرية ضد السود أو الآسيويين أو الغجر أو المهاجرين. هي دفاع عن فكرة الإنسان نفسها. لأنك عندما تسمح بإهانة إنسان لأن هويته لا تعجبك، فأنت لا تضعف ذلك الإنسان وحده. أنت تخفض سقف الإنسانية قليلا. وغدا قد يأتي شخص آخر، بلون آخر، باسم آخر، بعقيدة أخرى، ليقف تحت السقف نفسه. وهكذا، كما تقول أمي خيرة: «اللي يشعل النار في دار جارو، ما يضمنش الريح ما تدخلش لدارو.» ربما لهذا علينا أن نتوقف عن سؤال الضحية: «لماذا أنت حساس إلى هذا الحد؟» ونسأل الكراهية نفسها: لماذا أنت واثقة إلى هذا الحد؟ من أعطاك حق تحويل إنسان إلى رمز؟ من أقنعك بأن دمك أرفع من دمه؟ من قال لك إن لونا أكثر إنسانية من لون؟ ومن أقنعك بأن الله، أو التاريخ، أو الأمة، أو العلم، وضع توقيعه تحت كراهيتك؟ لا أحد. إنها أكذوبة اخترعها البشر ثم صدقوها حتى أصبحت لهم دينا بلا إله.
والغريب أن الكراهية، رغم كل قوتها الظاهرية، فقيرة جدا من الداخل. هي تحتاج دائما إلى «آخر» كي تعرف نفسها. لا تعرف من تكون إلا إذا قالت: أنا لست هو. أنا أبيض، وهو أسود. أنا يهودي، وهو مسلم. أنا مسلم، وهو يهودي. أنا أصلي من هنا، وهو جاء من هناك. وكأن الهوية بيت لا يستطيع أن يقف إلا إذا هدم بيتا آخر. لكن الهوية الناضجة لا تحتاج إلى عدو. والإنسان الواثق من نفسه لا يرتجف أمام اختلاف الآخرين. في النهاية، ما الذي يربحناه عندما نكره؟ هل يصبح وجهنا أجمل؟ هل يصبح خبزنا أطيب؟ هل يختفي الدين العام؟ هل تنتهي الحروب؟ هل يتوقف الموت؟ هل يعود الماضي إلى مكانه؟ لا. نحن فقط نضيف إلى العالم حائطا آخر. والعالم لديه ما يكفي من الجدران. جدار برلين سقط، لكن يبدو أن الإنسان حمل بعض حجارته داخل رأسه. وهذا هو الجدار الأصعب. لأن الشرطة تستطيع إزالة صليب معقوف عن واجهة مسجد. والبلدية تستطيع تنظيف الطلاء. والقضاء يستطيع معاقبة الفاعل. لكن من يمسح العلامة من داخل الرأس؟ من يدخل إلى ذلك الكهف الصغير الذي يسكن الجمجمة ويقول للرجل: اخرج، لم يعد هناك ما تخشاه؟
ربما لا توجد إجابة سهلة. لكن البداية سهلة جدا: أن نتعلم رؤية الإنسان قبل هويته. أن نقول: هذا مسلم، لكنه ليس «المسلمين». وهذا يهودي، لكنه ليس «اليهود». وهذا أسود، لكنه ليس «السود». وهذا مهاجر، لكنه ليس «المهاجرين». إنه هو. فقط هو. إنسان واحد، لا قبيلة كاملة. وفي هذا التفصيل الصغير ربما يكمن إنقاذ العالم. لأن كل مآسي التاريخ بدأت تقريبا عندما توقف الإنسان عن رؤية الإنسان أمامه، وبدأ يرى «الفئة». وعندما يعود الصليب المعقوف إلى جدار مسجد في قلب أوروبا، علينا ألا نسأل فقط: من رسمه؟ علينا أن نسأل أيضا: أي جزء منّا ظل يحتفظ بهذه العلامة، حتى بعد أن ظننا أنّنا دفناها؟ فربما لم تكن النازية هي التي عادت. ربما نحن الذين لم نغادرها تماما. وربما كان الجدار في بروكسل أقل ظلمة من الجدار الموجود داخل بعض الرؤوس. هناك، في الداخل، لا تحتاج الكراهية إلى طلاء. يكفيها إنسان لا يريد أن يرى إنسانا آخر.
