عندما وقف كيرا في صفوف المصلين وتذكّر إصابة الألماني ماتيوس الخادعة

الحلقة الرابعة عشرة من سلسلة «أسطورة النكتة في الحي المحمدي»
المرحوم كيرا

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي-المغرب

كان كيرا، رحمه الله، عاشقا حتى النخاع لفريق الحي المحمدي، الاتحاد البيضاوي «الطاس». لم يكن حضور كيرا إلى الملعب مجرد متابعة لمباراة، بل كان أشبه بموعد أسبوعي مع الانفعال والصرخة والاحتجاج والتحليل الرياضي الذي لا يقل حرارة عن المباراة نفسها. كان صوته يصل إلى أبعد من المدرجات، وتشجيعه لفريقه لا يحتاج إلى مكبرات الصوت. فإذا انتصر الطاس، خرج كيرا من الملعب وكأنه هو من سجل أهداف المباراة، وإذا خسر الفريق، عاد إلى أزقة الحي المحمدي حاملا ملفا كاملا من الملاحظات والانتقادات، يبدأها أحياناً باللاعبين، وينتهي بها عند المدرب. وكان المرحوم العربي الزاولي، الأب الروحي والداهية الكروية للطاس، يعرف جيداً أن لكيرا حساباته الخاصة مع كرة القدم. فكيرا لم يكن مجرد مشجع؛ كان ناقداً ومحللاً ومفتياً في شؤون الكرة، وإن كانت فتاواه الرياضية لا تجد دائما طريقها إلى مكاتب الجامعة! وكان يتنقل خلف فريقه أينما حلّ وارتحل، في ملاعب البيضاء وخارجها، حاملا معه ذلك المزيج العجيب من الحب والقلق والغضب والسخرية، وهي كلها مكونات كانت تجعل من وجوده في المدرجات مباراة أخرى موازية للمباراة التي تجري فوق العشب.

لكن ما وقع في مونديال مكسيكو 1986 كان شيئا آخر. لقد عاش كيرا، ومعه ملايين المغاربة، واحدة من أجمل صفحات كرة القدم المغربية، عندما أصبح المنتخب الوطني أول منتخب إفريقي وعربي يتأهل إلى الدور الثاني في نهائيات كأس العالم. كانت الفرحة كبيرة، والحلم أكبر. لكن الحلم اصطدم في الدور الثاني بماكينة ألمانيا الغربية. وبقيت المباراة محفورة في ذاكرة المغاربة، ليس فقط بسبب قوة المنتخب الألماني، وإنما بسبب تلك الضربة الحرة التي نفذها لوثار ماتيوس في الدقائق الأخيرة، والتي انتهت في شباك الحارس بادو الزاكي، لتنهي مغامرة المنتخب المغربي في المونديال. كان المشهد بالنسبة إلى كيرا أشبه بمصيبة كروية لا تستحقها الكرة المغربية. ولم يكن كيرا، بطبيعته الساخرة، مستعدا لأن يترك الحادثة تمر مرور الكرام. فقد كان يرى أن المشكلة لم تكن في ماتيوس وحده، وإنما في ذلك الحائط الدفاعي المغربي الذي، في نظره، لم يكن حائطا بالمعنى الحقيقي للكلمة. وكان يردد، كلما عاد الحديث عن المباراة، أن المدافعين كان عليهما أن يظلا ثابتين في مكانهما، لأن لحظة واحدة من التشتت كانت كافية لكي تجد كرة ماتيوس طريقها إلى الشباك.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت «كوفرة ماتيوس» ـ كما كان كيرا يسميها ـ واحدة من الذكريات التي لا يريد لها أن تموت. مرت الأيام، وانتهى المونديال، وعاد المنتخب الوطني إلى المغرب مرفوع الرأس، بعدما صنع إنجازا تاريخيا لا يزال حاضرا في ذاكرة الكرة المغربية. أما كيرا، فلم يكن معنياً كثيرا بكل هذا المجد. كان لديه حساب صغير، شخصي، مع ذلك الحائط الدفاعي. كان يمشي في دروب الحي المحمدي، فتأتي سيرة ألمانيا فيُفتح الجرح. تُذكر مكسيكو، فيتذكر ماتيوس. يُذكر ماتيوس، فيتذكر الضربة الحرة. وتُذكر الضربة الحرة، فيتذكر الحائط! وهكذا بقيت تلك الكرة عالقة في ذاكرته، وكأنها سُددت أمس، لا قبل عقود.

وفي يوم جمعة، وبينما كان كيرا كعادته يتجول في دروب الحي المحمدي، قادته خطواته إلى محيط أحد مساجد الحي. كان وقت صلاة الجمعة قد اقترب، وبدأ المصلون يتوافدون، ثم أخذوا ينتظمون في صفوف متراصة استعدادا للصلاة. نظر كيرا إلى الصفوف. ثم أعاد النظر. ثم اقترب أكثر. وبقي صامتا للحظات، وكأن شيئا ما اشتغل في ذاكرته. فجأة، عاد به الزمن إلى مكسيكو. عاد إلى ألمانيا. عاد إلى ماتيوس. وعادت أمام عينيه تلك الضربة الحرة التي ظلت تطارده كلما تذكر المونديال. اقترب كيرا من صفوف المصلين، وتأمل انتظامها واستقامتها، ثم قال لهم، بكل عفوية ووقار لا يخلو من خبث النكتة: «كون درتو بحال هاد الصف نهار ألمانيا، كون ماتيوس ما يسجلش علينا هاديك الكوفرا!»

وانفجر من كان حوله بالضحك. لقد وجد كيرا أخيرا، بعد سنوات طويلة، الحائط الدفاعي الذي كان يبحث عنه! لكن المشكلة أن هذا الحائط لم يكن هذه المرة أمام مرمى بادو الزاكي، وإنما صفا من المصلين يستعدون للصلاة. وهكذا، حتى في لحظة دينية هادئة، لم يستطع كيرا أن يترك ماتيوس وشأنه. كان كيرا ببساطة من أولئك الذين لا يحتاجون إلى منصة أو مسرح أو جمهور كبير لصناعة النكتة. كان يحمل مسرحه معه أينما ذهب، ويحوّل أبسط مشهد يومي إلى حكاية قابلة للضحك. رحم الله كيرا، الذي كانت النكتة عنده ليست مجرد كلام عابر، بل طريقة في النظر إلى الحياة. وحتى عندما وقف الناس في صفوف الصلاة، ظل في ذاكرته صف واحد لم ينسه أبدا: حائط ألمانيا سنة 1986… ذلك الحائط الذي لم يكن متماسكاً بما يكفي لمنع ماتيوس من كتابة آخر سطر في مغامرة المغرب المونديالية. أما ماتيوس، فربما نسي تلك الضربة منذ زمن بعيد. لكن كيرا؟ كيرا لم ينسها إلى آخر نكتة. رحم الله كيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *