المغرب في قلب المشهد الغذائي العالمي

حضور متميز في معرض SIAL Paris 2026

بقلم عبد الكريم بن زاكور, , كاتب مقالات

في موعد جديد مع التميز والابتكار في عالم الصناعات الغذائية، احتضنت العاصمة الفرنسية باريس فعاليات المعرض الدولي للصناعات الغذائية SIAL Paris 2026، أحد أبرز الملتقيات العالمية التي تستقطب المهنيين والخبراء والمنتجين والمستثمرين من مختلف القارات، لاستكشاف أحدث الاتجاهات في قطاع الأغذية، والوقوف على التحولات التي تعيد تشكيل مستقبل الإنتاج الفلاحي والصناعات الغذائية وسلاسل التوزيع والتسويق. وقد شكل هذا الحدث الدولي مناسبة استثنائية للتعريف بالمنتجات الوطنية، واستعراض القدرات الإنتاجية للدول المشاركة، وتبادل الخبرات والتجارب في مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي والابتكار، فضلا عن فتح آفاق جديدة للشراكات الاقتصادية والتجارية في سوق عالمية باتت الجودة والاستدامة والشفافية واحترام المعايير الصحية عناصر حاسمة في تحديد تنافسية المنتجات ومكانتها.

وفي خضم هذا الحضور الدولي الواسع، استرعى الجناح المغربي اهتمام الزوار والمهنيين، مستقطبا أعدادا مهمة من الباحثين عن المنتجات ذات الجودة العالية، والتجارب الغذائية الأصيلة، والحلول الإنتاجية القادرة على الاستجابة لمتطلبات الأسواق المعاصرة. وقد عكس هذا الحضور غنى المنظومة الغذائية المغربية وتنوع مواردها الفلاحية، فضلا عن قدرة الفاعلين الوطنيين على الجمع بين أصالة المنتوج وتطور أساليب الإنتاج والتسويق.

الجناح المغربي.. ثراء المنتوج وأصالة الهوية

خلال جولتي بين أروقة المعرض، التي ضمت مشاركات من دول رائدة في المجال الغذائي، من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والأرجنتين والصين والهند واليونان، فضلا عن عدد من الدول العربية والإسلامية، من بينها المملكة العربية السعودية وتونس ومصر ولبنان والأردن وفلسطين، توقفت طويلا عند الجناح المغربي، الذي قدم صورة غنية عن تنوع المنتجات الوطنية وتعدد مجالاتها. فقد شاركت شركات مغربية وتعاونيات متخصصة في عرض باقة متنوعة من المنتجات، شملت زيت الزيتون وزيت الأركان والكسكس والبلبولة والمصبرات السمكية والمربيات بمختلف أنواعها، إلى جانب تمور المجهول والزيتون والفواكه المجففة والمكسرات والزعفران وغيرها من المنتجات التي تعكس ثراء المجال الفلاحي المغربي وتنوعه البيئي والمناخي.

ولم يكن هذا التنوع مجرد استعراض لمنتجات غذائية مختلفة، بل كان تعبيرا عن رصيد حضاري واقتصادي متراكم، تتداخل فيه الخبرة التقليدية مع متطلبات التصنيع الحديث، وتلتقي فيه خصوصية المطبخ المغربي مع تطلعات المستهلك العالمي الباحث عن الجودة والمذاق المتميز والقيمة الغذائية. ومن المشاهد اللافتة التي استوقفتني وجود وفد آسيوي لدى إحدى الشركات المغربية الكبرى المتخصصة في إنتاج الكسكس، في مشهد يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن اتساع آفاق هذا المنتوج التقليدي في أسواق اعتادت الاعتماد على الأرز بوصفه مكونا أساسيا في أنظمتها الغذائية. ولعل مثل هذه اللقاءات تختزل الإمكانات الواعدة التي يتيحها الانفتاح على الأسواق الدولية، وتؤكد أن المنتجات الأصيلة قادرة على تجاوز حدودها الجغرافية متى توافرت لها الجودة والتنافسية والتسويق الفعال.

ومن بين الأجنحة التي استرعت الانتباه، برز الجناح الخاص بالشاي، الذي تصدرته بعض الشركات المغربية . فكانت مناسبة تستحضر ثقافة الشاي في المجتمع المغربي، حيث لا يمثل هذا المشروب مجرد عادة استهلاكية، بل يشكل جزءا من الذاكرة الاجتماعية وطقوس الضيافة والتواصل. ويؤكد حضور الشاي في تظاهرة دولية بهذا الحجم أن الصناعات الغذائية المغربية لا تقتصر على المنتجات الفلاحية الخام، وإنما تشمل أيضا علامات تجارية راكمت خبرة طويلة في التصنيع والتوزيع وبناء الثقة لدى المستهلكين.

كما لفت الانتباه جناح مغربي متخصص في الحلويات والبسكويت الخاليين من الكحول والجيلاتين، وهي منتجات تستجيب لطلب متنام لدى المستهلكين المسلمين، ولا سيما أفراد الجاليات المقيمة في البلدان الأوروبية وغيرها من المجتمعات متعددة الثقافات. ويبرز هذا التوجه أهمية تطوير منتجات تراعي المتطلبات الغذائية والدينية لفئات واسعة من المستهلكين، مع الحرص على استيفاء شروط السلامة الغذائية والوسم الدقيق واحترام المعايير المعمول بها في الأسواق المستهدفة.

الفلاحة المغربية.. ثمرة رؤية استراتيجية واستثمار في الإنسان

إن ما يثير الاعتزاز في هذا الحضور المغربي ليس تنوع المنتجات المعروضة فحسب، بل ما يقف وراءها من مسار طويل في بناء القدرات الفلاحية وتطوير الخبرات التقنية والعلمية وتأهيل الكفاءات الوطنية. وفي هذا السياق، لا يمكن استحضار تطور القطاع الفلاحي المغربي دون الإشارة إلى الرؤية الاستراتيجية التي ارتبطت بعهد الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، ولا سيما الاهتمام بتوسيع المساحات المسقية، وبناء السدود، وتعبئة الموارد المائية، وتعزيز البنية التحتية الفلاحية. فقد شكلت هذه التوجهات جزءاً من الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن المائي والغذائي، والحد من آثار التقلبات المناخية، وتحسين شروط الإنتاج في عدد من مناطق المملكة.

كما كان للاستثمار في التكوين العلمي والهندسي دور أساسي في إعداد أطر متخصصة أسهمت في تطوير الزراعة وتربية الماشية وتدبير الموارد الطبيعية، وفي نقل الخبرة المغربية إلى فضاءات إقليمية ودولية متعددة. ويأتي معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة في مقدمة المؤسسات التي اضطلعت بدور مهم في تكوين المهندسين والأطر العليا في مجالات الزراعة والبيطرة والصناعات المرتبطة بها. وقد أسهم خريجوه في تأطير مشاريع تنموية وإنتاجية، وفي تطوير أساليب التدبير الزراعي وتوظيف البحث العلمي والتقنيات الحديثة لخدمة الإنتاج الفلاحي. ولم تظل هذه الكفاءات حبيسة الحدود الوطنية، بل امتد إشعاعها إلى عدد من البلدان، من بينها المملكة العربية السعودية، حيث ساهم خبراء ومهندسون مغاربة، إلى جانب كفاءات دولية أخرى، في تطوير مشاريع زراعية وغذائية تستهدف تحسين الإنتاج المحلي، وتعزيز استغلال الموارد المتاحة، وتقليص الاعتماد على استيراد بعض المنتجات من الأسواق البعيدة.

وتستحق هذه التجارب وقفة خاصة، خصوصاً في البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية التي تفرض تحديات كبيرة على النشاط الزراعي. فقد أتاح توظيف الخبرات الهندسية والتقنيات الحديثة، وأنظمة الري الملائمة، والبحث التطبيقي، إمكانات جديدة لتوسيع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق الجافة، وإن كان نجاح هذه المشاريع يظل رهينا بحسن تدبير المياه، والاستدامة البيئية، والجدوى الاقتصادية. وهو موضوع يستحق أن نفرد له مقالا مستقلا، لتسليط الضوء على إسهامات الكفاءات المغربية في تطوير الزراعة بالمنطقة العربية، واستعراض التجارب التي تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الميدانية والابتكار التقني.

الجودة والاستدامة.. رهان المستقبل

إن الحضور المغربي في معرض SIAL Paris 2026 يسلط الضوء على الإمكانات الكبيرة التي تتوفر عليها المملكة لتعزيز موقعها في الأسواق الغذائية العالمية. غير أن تحويل هذا الحضور إلى مكاسب تجارية مستدامة يقتضي مواصلة الاستثمار في البحث والتطوير، وتحسين الإنتاجية، وتطوير سلاسل التبريد والتخزين والتوزيع، وتعزيز التتبع والشفافية، والالتزام الصارم بمعايير السلامة والجودة المعتمدة دوليا. كما تزداد أهمية تثمين المنتجات المحلية ذات الخصائص المميزة، وحماية المنشأ الجغرافي للمنتجات التقليدية، ودعم التعاونيات والمقاولات الصغرى والمتوسطة، وتمكينها من الولوج إلى الأسواق الخارجية بشروط تنافسية أفضل.

وفي ظل التحولات التي يعرفها الاستهلاك العالمي، تتعاظم أيضا قيمة المنتجات الطبيعية والمنتجات ذات المكونات الواضحة، شريطة أن تستند الادعاءات المتعلقة بكونها عضوية أو حاصلة على شهادة «BIO» إلى اعتماد رسمي موثق، وفق القواعد المعمول بها في السوق المستهدفة. فالجودة لم تعد شعارا تسويقيا، بل منظومة متكاملة تبدأ من الأرض ولا تنتهي إلا عند وصول المنتج إلى المستهلك. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في المشاركة في المعارض الدولية فحسب، بل في تحويل فرص التعارف والتفاوض إلى عقود تجارية وشراكات استراتيجية، وتوسيع الحضور المغربي في الأسواق الواعدة، وترسيخ الثقة في المنتوج الوطني بوصفه منتجا يجمع بين الجودة والمصداقية والقدرة على الاستجابة لمتطلبات المستهلك المعاصر.

المغرب.. من غنى الأرض إلى آفاق الأسواق العالمية

لقد قدم الجناح المغربي في هذا الموعد الدولي صورة مشرقة عن بلد يملك رصيدا فلاحيا متنوعا، وتراثا غذائيا غنيا، وكفاءات بشرية قادرة على الابتكار والمنافسة. كما أتاح فرصة لإبراز ما تزخر به المملكة من منتجات تجمع بين الخصوصية المحلية وإمكانات الانتشار العالمي. إن ما يستحق التقدير في هذه التجربة هو تضافر جهود المنتجين والمصدرين والتعاونيات والأطر التقنية والعلمية، بما يجعل من المنتوج المغربي سفيراً اقتصادياً وثقافياً للمملكة، ووسيلة للتعريف بقدراتها وإمكاناتها أمام العالم.

وهكذا، لا يختزل حضور المغرب في معرض دولي بحجم SIAL Paris 2026 في عدد الأروقة أو تنوع المعروضات، بل تتجلى قيمته الحقيقية في قدرته على بناء الثقة، وإبراز جودة الإنتاج الوطني، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتصدير، وتعزيز مكانة المملكة ضمن خريطة الصناعات الغذائية العالمية. إنه حضور يؤكد أن المغرب، بما يملكه من موارد طبيعية وخبرات بشرية وتقاليد إنتاجية عريقة، قادر على تحويل مؤهلاته إلى فرص، وتراثه إلى قيمة اقتصادية، وجودة منتوجاته إلى رافعة للتنافسية والإشعاع الدولي. حفظ الله المملكة المغربية، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفق ملكها وحكومتها وشعبها لمزيد من التقدم والازدهار.

One thought on “المغرب في قلب المشهد الغذائي العالمي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *