ترامب… إلى أين تقودنا هذه المتاهة التي ترتدي خوذة العالم؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير -باريس

هناك لحظات في التاريخ تشبه الأحلام حين يصاب العقل بالحمى، فتصير الخرائط جلودا مشدودة على جسد وحش، وتصير العواصم عيونا مفتوحة في ليل لا يعرف الفجر. في هذه اللحظة، يبدو الشرق الأوسط كأنه يقف أمام باب أسود، فيما يضع دونالد ترامب يده على مقبضه، ثم يتراجع، ثم يلوح بفتحه، تاركا العالم يتساءل: هل نحن أمام استراتيجية سياسية محسوبة، أم أمام مسرح هائل تتدرب فيه القوة على إخافة نفسها قبل إخافة الآخرين؟ بحسب ما نشرته بعض الصحف الفرنسية في 23 أكتوبر 2026، لم يستبعد توم باراك، المبعوث الأمريكي، احتمال توجيه ضربة إلى إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع. لكن ترامب بدا متحفظا إزاء تصريحات مبعوثه، في وقت لا تزال فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران عالقة، بينما يطرح بنيامين نتنياهو إسقاط النظام الإيراني بوصفه الحل الوحيد للتهديد الذي تمثله طهران. هنا، لا يعود السؤال متى ستقع الضربة، بل ماذا يريد العالم الذي يلوح بها أن يحقق، وما الذي قد يوقظه حين يضغط على الزناد؟

ترامب لا يدير الأزمة من باب الحرب وحدها، بل من المنطقة الرمادية التي تفصل الحرب عن احتمالها. إنه يضع الخصم أمام مرآة، ثم يهدده بتحطيم المرآة، كي يجعله يرى في انعكاسه نهايته المحتملة. في هذا المنطق، يصبح التهديد أداة تفاوض، والتراجع مناورة، والصمت رسالة، والتصريح قنبلة مؤجلة. غير أن الخطر يكمن في أن السياسة، حين تتحول إلى لعبة أعصاب دائمة، قد تفقد القدرة على التمييز بين الخوف الذي يصنع التنازلات والخوف الذي يدفع إلى الانفجار. فإيران ليست رقعة يمكن إزاحتها من رقعة الشطرنج بمجرد إعلان النية. إنها دولة ذات جغرافيا معقدة، ومؤسسات متجذرة، وشبكات نفوذ إقليمية، وقدرات عسكرية وصاروخية، فضلا عن مجتمع لا يمكن اختزاله في نظامه السياسي. وأي هجوم أمريكي جديد قد لا ينهي الأزمة، بل يفتح أبوابا متعددة لها: ردودا إيرانية، واستهدافا محتملا للمصالح والقواعد الأمريكية، واضطرابا في الملاحة والطاقة، وتوسعا في رقعة المواجهة. ليست هذه نتائج حتمية، لكنها احتمالات كافية لجعل قرار الحرب أبعد من أن يكون نزوة انتخابية أو استعراضا للقوة.

أما الرهان على إسقاط النظام، فيحمل مفارقة تاريخية لا تكف عن مطاردة القوى الكبرى: إسقاط سلطة شيء، وبناء ما بعدها شيء آخر. قد تعرف الجيوش كيف تبدأ الحرب، لكنها لا تملك دائما مفاتيح المجتمع الذي تتركه خلفها. ومن يعتقد أن إزالة رأس السلطة تكفي لتغيير جسد الدولة، قد يكتشف أن التاريخ ليس تمثالا من الطين، وأن الفراغ السياسي لا يبقى فارغا طويلا؛ إذ تتسابق إليه الفوضى، والثأر، والقوى التي لا تظهر في الصور الرسمية. ثم إن توقيت التهديد، قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر، يفتح بابا آخر للأسئلة. هل يريد ترامب اتفاقا يمنحه صورة المنتصر من دون حرب؟ هل يسعى إلى إظهار الحزم أمام جمهوره؟ أم أن تعدد الرسائل بين البيت الأبيض ومبعوثيه يكشف عن سياسة تتأرجح بين الضغط الدبلوماسي والاستعداد العسكري؟ لا يمكن الجزم بنواياه من التصريحات وحدها، لكن من حق العالم أن يسأل عن المسافة الفاصلة بين حسابات السياسة الأمريكية وأثمانها خارج حدودها. المعضلة الأعمق أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل أن يكون مختبرا لإثبات هيبة الزعماء. فكل صاروخ يعبر السماء يترك خلفه أكثر من حفرة؛ إنه يثقب أيضا ثقة الشعوب بإمكان أن يكون الغد مختلفا عن الأمس. وكل تهديد يرفع حرارة الأسواق، ويضع المدنيين في انتظار مجهول، ويمنح دعاة الحرب مادة جديدة لإقناع العالم بأن العنف قدر لا مهرب منه. لكن من قال إن القوة التي تستطيع تدمير الخصم تستطيع أيضا إنتاج السلام؟

إلى أين يأخذنا ترامب؟ ربما إلى طاولة اتفاق، وربما إلى مواجهة جديدة، وربما إلى تلك المنطقة المعلقة التي تصبح فيها الحرب احتمالا يوميا، حتى يفقد العالم حساسيته تجاهها. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق مصير إيران هو سؤال مصير النظام الدولي نفسه: هل ما زالت الدبلوماسية قادرة على تقييد القوة، أم أصبحت مجرد استراحة قصيرة بين تهديدين؟ وهل تقاس عظمة الدولة بقدرتها على إشعال الحرب، أم بقدرتها على تجنبها حين تستطيع إشعالها؟ التاريخ لا يمنح الزعماء شهادة عبقرية لأنهم امتلكوا زر الحرب، بل يسألهم عما فعلوه قبل أن يضغطوا عليه، وعما عجزوا عن إصلاحه بعد ذلك. وربما تكون المفارقة الأكثر رعبا أن العالم لا يخشى فقط حربا قد تبدأ، بل يخشى أن يصبح احتمالها الدائم نظاما للحياة. عندها، لن يكون السؤال من انتصر، بل كيف سمح الجميع للهاوية بأن تتحول إلى عنوان للسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *