حين تتصدع أسطورة باريس أمام خبرة الرباط

الأمن بين وهم التفوق وامتحان الثقة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

لم تكن باريس بحاجة إلى فيلسوف يعلن نهاية اليقين كي تكتشف أن المدن العظيمة ليست بمنأى عن لحظات الانكشاف. أحيانا تكفي واجهة متجر محطمة، ودخان يتصاعد من شارع، وتاجر ينتظر النجدة من دولة اعتاد أن يطمئن إلى هيبتها، كي يتسلل الشك إلى الصورة التي صنعتها الجمهورية عن قدرتها على حماية مواطنيها. فالمشهد لا يختزل في زجاج مكسور أو ممتلكات منهوبة، بل يكشف حقيقة أعمق: هيبة الدولة ليست إرثا أبديا، وإنما مسؤولية تتجدد كل يوم، ويختبرها المواطن حين ينتقل الخوف من الشارع إلى قلبه. في هذا السياق، أثارت الرسالة المنسوبة إلى الكاتبة الفرنسية فرانس كول، والموجهة عبر منصة «إكس» إلى وزير الداخلية لوران نونيز، جدلا تجاوز حدود الانتقاد السياسي. فبحسب ما تداولته تقارير إعلامية، انتقدت الكاتبة التعامل مع أحداث العنف والنهب التي قيل إنها شهدتها فرنسا في 17 أكتوبر 2026، واستحضرت حالة تاجر باريسي لم يجد، وفق الرواية المتداولة، الاستجابة الأمنية التي كان ينتظرها، قبل أن تدعو إلى الاستفادة من التجربة المغربية. غير أن نسبة الرسالة وتفاصيلها تحتاج إلى توثيق مستقل، ولا يصح التعامل مع كل ما ورد فيها باعتباره حقيقة مثبتة. ومع ذلك، فإن الجدل الذي أثارته يفتح سؤالا يتجاوز صحة الاقتباسات: ماذا يحدث حين تجد دولة اعتادت تقديم نفسها نموذجا للآخرين نفسها أمام احتمال التعلم من جارتها الجنوبية؟

ليست المسألة مفاضلة سريعة بين باريس والرباط، ولا مباراة في الكبرياء الوطني. فالجريمة لا تعني وحدها فشل الدولة، إذ لا توجد منظومة أمنية قادرة على منع كل اعتداء أو توقع كل اضطراب. لكن الخلل يصبح أكثر خطورة حين يشعر المواطن أن نداءه لا يصل، أو أن المسؤولية تضيع بين المؤسسات، أو أن الاعتراف بالتقصير أصعب من مواجهة نتائجه. عندها لا تكون الأزمة في الشارع وحده، بل في المسافة التي تفصل المواطن عن مؤسساته، وفي الثقة التي تتآكل كلما تأخرت الاستجابة أو غابت المحاسبة. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الشرطة قادرة على الحضور في كل زاوية، بل ما إذا كانت الدولة تستطيع التدخل بفعالية، وتحديد المسؤوليات، ومراجعة الأخطاء، ومحاسبة المقصرين وفق القانون. فالقوة لا تعني استحالة الفشل، وإنما القدرة على مواجهته من دون إنكار أو مراوغة. أما الهيبة التي لا تسمح بالنقد، فليست سوى واجهة صلبة تخفي وراءها هشاشة لا تظهر إلا عند أول اختبار جدي.

لقد برز المغرب خلال السنوات الأخيرة شريكا في التعاون الأمني الدولي، وشاركت خبرات أمنية مغربية في الترتيبات المرتبطة بتأمين الألعاب الأولمبية والبارالمبية في باريس سنة 2024، ضمن تعاون دولي واسع ساهمت فيه أجهزة ودول متعددة. وقد أبرزت تلك التجربة أهمية تبادل المعلومات والتنسيق والاستعداد المسبق. لكنها لا تبرر اختزال نجاح عملية أمنية كبرى في جهد دولة واحدة، كما لا تسمح باعتبار أي اضطراب لاحق دليلا على عجز شامل لدى الأجهزة الفرنسية. فالأحداث الجماهيرية المخطط لها تختلف عن اضطرابات الشوارع المتغيرة، ولكل سياق أدواته وشروطه ومصادر مخاطره. ومع ذلك، لا ينتقص هذا التمييز من قيمة الخبرة المغربية، بل يضعها في إطارها الصحيح: تجربة يمكن دراستها وتبادل المعرفة بشأنها، لا أسطورة جديدة تحل محل أخرى. فالتعاون الأمني ليس طريقا ذا اتجاه واحد، والمعرفة لا تحمل جنسية تجعلها حكرا على دولة دون أخرى. تستطيع باريس أن تستفيد من الرباط، كما يستطيع المغرب أن يستفيد من تجارب فرنسا وغيرها. ولا تنتقص السيادة حين تتعلم الدولة من غيرها؛ الذي يضعفها هو أن ترفض التعلم خوفا على صورة صنعتها عن نفسها.

هنا تكتسب المقارنة دلالتها التاريخية. فقد ترك الماضي الاستعماري في الذاكرة علاقة غير متكافئة، ظهرت فيها أوروبا كثيرا بوصفها مصدر النموذج والمعرفة، بينما وُضعت بلدان الجنوب في موقع المتلقي الذي يخضع للتقييم. وحين تصبح الخبرة المغربية موضوعا للاهتمام في نقاش فرنسي، ولو في مجال محدد، تتراجع فكرة التفوق الجغرافي المطلق. ليس لأن التاريخ انقلب في ليلة، بل لأن الواقع يذكرنا بأن الكفاءة لا تورثها القارات، وأن المعرفة لا تعترف بالحدود التي يرسمها الغرور. لكن الإنصاف يقتضي ألا يتحول هذا المعنى إلى مديح غير مشروط للمغرب أو إدانة شاملة لفرنسا. فالمغرب بدوره يواجه تحديات أمنية واجتماعية، وأي تجربة ينبغي أن تقاس بنتائجها الفعلية، واحترامها للقانون، وقدرتها على حماية المواطنين وصون حقوقهم. فالأمن الذي يتجاهل الكرامة قد يتحول إلى خوف منظم، والحرية التي تعجز عن حماية الناس من العنف قد تبقى وعدا نظريا لا يجد المواطن سبيلا إلى ممارسته. والمطلوب ليس الاختيار بين الأمن والحقوق، بل بناء منظومة تحميهما معا.

ومن هذا المنطلق، فإن التكنولوجيا الأمنية، من كاميرات المراقبة إلى الطائرات المسيرة وأنظمة تحليل البيانات، لا يمكن أن تكون جوابا مستقلا عن كل أزمة. إنها أدوات قد تساعد على رصد المخاطر وتسريع التدخل، لكنها لا تعوض ضعف التخطيط أو اضطراب التنسيق أو غياب القرار. كما أن توسيع المراقبة لا يضمن وحده وضوح الرؤية؛ فقد تمتلك الدولة عيونا كثيرة، لكنها تظل عاجزة عن فهم ما تراه إذا لم تملك مؤسسات قادرة على التحليل والتقييم والمحاسبة. الأمن الفعال يبدأ قبل وصول الشرطي إلى الشارع: في جمع المعلومات بصورة قانونية، وتقدير المخاطر، وتحديد المسؤوليات، وتدريب العناصر على التدخل المتناسب مع الوقائع. ويستمر بعد انتهاء الحادث، عبر حماية الضحايا، وتطبيق القانون، وتقييم الأداء، ومراجعة أوجه القصور. أما استعادة الثقة، فلا تتحقق بمجرد إعلان السيطرة على الوضع، بل حين يشعر المواطن أن المؤسسات تعلمت من الأزمة وأن ما حدث لن يمر بلا فهم أو مساءلة.

ومع ذلك، تبقى المقاربة الأمنية ناقصة إذا انفصلت عن جذور التوتر الاجتماعي. فالشرطة تستطيع أن تمنع اعتداء أو توقف عملية نهب، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الإقصاء أو التفاوت أو انهيار الثقة. وفهم أسباب العنف لا يعني تبريره، كما أن تطبيق القانون لا يقتضي تجاهل أسبابه. والدولة الرشيدة هي التي تميز بين الاحتجاج السلمي والجريمة، وتحمي الحق في التعبير، وتواجه الاعتداء على الأشخاص والممتلكات، من دون أن تجعل من كل غضب تهديدا أمنيا أو من كل تدخل مبررا لتجاوز الحقوق. أما الدرس الذي يمكن أن تستخلصه فرنسا، فلا يقتصر على مراجعة خطط الانتشار أو تحديث المعدات، بل يمتد إلى مساءلة العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالشارع ليس مجرد مساحة تتحرك فيها الدوريات، بل فضاء تتقاطع فيه الكرامة والحقوق والمطالب الاجتماعية والثقة العامة. وحين تضعف هذه الثقة، يصبح كل اضطراب امتحانا مزدوجا: هل تستطيع الدولة التدخل؟ وهل يظل المواطن مقتنعا بأن مؤسساته موجودة لحمايته وخدمته، لا لمجرد فرض حضورها؟

وبالنسبة إلى المغرب، فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه ليس خطابا عن تفوق مطلق، بل خبرة قابلة للفحص والتطوير، وشراكات قائمة على تبادل المعرفة، واستعدادا لتقييم التجربة بموضوعية. فالدولة الواثقة لا تحتاج إلى تضخيم إنجازاتها كي تثبت جدارتها، ولا تخشى أن تعرض تجربتها للنقاش. إن الخبرة تصبح ذات قيمة حقيقية حين تتحول من مادة للفخر وحده إلى معرفة تساعد على حماية الإنسان وتحسين حياة المجتمع. وهكذا تتجاوز الحكاية حدود فرنسا والمغرب، لتطرح سؤالا عن الدولة الحديثة نفسها: هل تقاس قوتها بما تملكه من أدوات للمراقبة والضبط، أم بما تبنيه من ثقة وقدرة على تصحيح المسار؟ إن التصريحات لا تعيد إلى التاجر متجره، والكلمات لا تمنع وحدها الاعتداء، والاعتذار لا يكتسب معناه إلا حين تتبعه إجراءات ملموسة. الدولة التي تعترف بحدودها وتتعلم من غيرها قد تخرج من الأزمة أكثر نضجا؛ أما الدولة التي ترى في الاعتراف بالتقصير تهديدا لهيبتها، فقد تضاعف الخلل وهي تحاول إخفاءه. ولعل السؤال الأعمق ليس: هل أصبحت الرباط أكثر كفاءة من باريس؟ فهذا اختزال للتاريخ في مباراة، وللمعرفة في راية. السؤال هو: لماذا يبدو التعلم من الآخر أحيانا أشد إيلاما من الاعتراف بالنقص في الداخل؟ ولماذا تخشى بعض الدول تصدع صورتها أكثر مما تخشى تصدع الثقة بينها وبين مواطنيها؟

في الرباط، حيث تتجاور ذاكرة التاريخ مع إيقاع الدولة الحديثة، لا ينبغي أن تكون الخبرة الأمنية وسيلة للتباهي، بل جسرا للتعاون. فقيمة الشجرة لا تقاس بتصفيق العابرين، وإنما بعمق جذورها وبما تمنحه من ظل. وكذلك الدول؛ لا تكبر بإعلان كمالها، بل بقدرتها على تطوير مؤسساتها، ومراجعة قراراتها، وتحويل تجاربها إلى معرفة نافعة للآخرين. وليس مطلوبا من المغرب أن ينتظر اعتراف باريس كي يعرف قيمة ما يملكه، كما ليس مطلوبا من فرنسا أن تتخلى عن تاريخها كي تتعلم من جارتها. لا تخص الأزمة باريس وحدها ولا تختزل دور الرباط في تقديم الدروس. إنها تكشف تحديا تواجهه كل دولة تظن أن القوة تكفيها، وكل سلطة تنسى أن الأمن ليس مجرد ضبط للشارع، بل صون للإنسان والثقة التي تربطه بمؤسساته. فحين تتحطم واجهة متجر، يمكن إصلاح الزجاج؛ أما حين تتصدع الثقة، فلا تكفي المعدات الحديثة لترميمها. أي معنى للقوة إذا استطاعت الدولة أن تحرس حدودها، لكنها عجزت عن حماية الثقة داخلها؟ وأي معنى للسيادة إذا بدا الاعتراف بخبرة الآخر جرحا للكرامة، بينما يظل الإصرار على الخطأ جرحا مفتوحا في جسد الوطن؟

ربما لا تحتاج الدول إلى مزيد من الصور التي تمدح وجوهها، بل إلى شجاعة النظر في عيوبها. فالأمم لا تصغر حين تتعلم، ولا تفقد كرامتها حين تعترف بحدودها؛ إنها تبدأ النضج الحقيقي يوم تدرك أن قيمتها ليست في أن تكون المعلم دائما، بل في ألا تكف عن التعلم. والتاريخ لا يمنح صكوك الكفاءة إلى الأبد، بل يترك للأمم فرصة متجددة كي تثبت أن قوتها لا تكمن في إخضاع الإنسان، وإنما في حمايته، ولا في ادعاء الكمال، وإنما في الشجاعة اللازمة لمراجعته.

One thought on “حين تتصدع أسطورة باريس أمام خبرة الرباط”

  1. Un texte pertinent et profondément réflexif, qui dépasse la simple comparaison entre la France et le Maroc pour interroger l’essence même de la puissance de l’État : sa capacité à protéger les citoyens, à reconnaître ses limites et à apprendre de l’expérience des autres. L’un de ses principaux mérites réside dans son refus de transformer la coopération sécuritaire en une compétition de prestige national. Il rappelle, à juste titre, que la sécurité ne se mesure ni aux moyens technologiques déployés ni aux discours d’autorité, mais à l’efficacité des institutions, au respect des droits fondamentaux et à la confiance des citoyens.
    Pour renforcer davantage cette analyse, il serait toutefois intéressant de l’appuyer sur des données vérifiables, des exemples concrets et une distinction plus nette entre les faits établis et les éléments relevant de la polémique médiatique. Une comparaison rigoureuse des modèles français et marocain gagnerait également à prendre en compte leurs contextes institutionnels, juridiques et sociaux respectifs. Enfin, le texte ouvre une réflexion essentielle sur l’équilibre entre sécurité, libertés individuelles et prévention des tensions sociales, qui mériterait d’être approfondie par des propositions concrètes.
    En définitive, la véritable force de cet article est de rappeler qu’aucun État ne détient le monopole du savoir ni celui de la réussite. La maturité institutionnelle se manifeste moins dans la prétention à l’exemplarité que dans la capacité à évaluer ses pratiques, à corriger ses insuffisances et à coopérer sans complexe. Un texte riche et stimulant, dont la portée serait encore plus grande en conjuguant la force de son argumentation avec une démonstration factuelle aussi solide que son ambition intellectuelle.
    ABOUDOOU CHOUAIB
    Romancier et critique littéraire

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *