بين خطاب الحكومة وانتظارات الشعب

هل يتجسد التغيير أم تتجدد الوجوه وتستمر السياسات؟

بقلم الإعلامي البشير حيمري – كوبنهاغن

في خضم النقاش الدائر داخل البرلمان المغربي حول التصريح الحكومي، تتجاوز الأسئلة المطروحة حدود الاختلاف بين الأغلبية والمعارضة، لتلامس جوهر الممارسة الديمقراطية ومصداقية الخطاب السياسي وقدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة لتطلعات المواطنين. فالمغاربة لا ينتظرون مجرد تبادل للمواقف، بل يتطلعون إلى مرحلة جديدة تقطع مع اختلالات الماضي، وتؤسس لتدبير عمومي قوامه النزاهة والمساءلة والعدالة الاجتماعية والتنمية الحقيقية. إن نتائج الانتخابات لا تكتسب معناها بمجرد توزيع المقاعد وتشكيل الأغلبية، بل بما إذا كانت ستفتح الباب أمام تغيير حقيقي في منهجية الحكم، أم ستعيد إنتاج الاختيارات نفسها بأسماء جديدة وخطاب مختلف. فالسؤال الذي يشغل المواطن ليس من جلس في مقعد السلطة، بل ما الذي سيتغير في حياته، وفي قدرته الشرائية، وفي فرص أبنائه، وفي ثقته بمؤسساته.

لقد كان خطاب رئيسة الحكومة مناسبة يفترض أن تؤسس لمرحلة من الإنصات المتبادل واستيعاب حجم الانتظارات الشعبية. لكن أي خطاب سياسي يفقد جزءا من معناه حين يبدو النقد عبئا ينبغي التخلص منه، لا فرصة لاختبار قوة الحجة وتصحيح المسار. فالديمقراطية ليست امتيازا للأغلبية، ولا تفويضا مفتوحا يتيح لها احتكار تفسير الواقع؛ إنها ثقافة تقبل الاختلاف، وتحترم الرأي المخالف، وتدرك أن المعارضة ليست خصما للوطن، بل شريكا في مراقبة تدبير الشأن العام.ة إن الاعتراف بالأخطاء ليس ضعفا سياسيا، بل علامة على النضج والمسؤولية. ولا يمكن تقييم المرحلة الجديدة بمعزل عن حصيلة الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، ولا عن مسؤولية الأحزاب التي شاركت في تدبير شؤون البلاد. فقد أثارت المديونية العمومية والضغوط على القدرة الشرائية واستمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية أسئلة مشروعة حول نجاعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. ومن حق المواطنين أن يحصلوا على أجوبة واضحة تستند إلى المعطيات، لا إلى التبرير الحزبي أو تبادل الاتهامات.

إن المال العام هو جزء من تعب الناس وعرقهم وانتظاراتهم. لذلك تقتضي المسؤولية السياسية تقييما شفافا للقرارات والبرامج، يوضح ما تحقق وما تعثر، وكيف أنفقت الموارد، وما الأثر الذي تركته السياسات العمومية في حياة الأسر. فالتنمية لا تقاس بكثرة التصريحات ولا بارتفاع سقف الوعود، بل بما يلمسه المواطن من خدمات أفضل، وفرص شغل حقيقية، وإنصاف في توزيع الثروة، واستقرار في القدرة الشرائية. وإذا كانت الحكومة الحالية تطمح إلى فتح صفحة جديدة، فإن عليها أن تثبت ذلك بالأرقام والقرارات والنتائج، لا بمجرد إعلان النوايا. كما أن تولي امرأة رئاسة الحكومة يحمل دلالة رمزية مهمة، لكن قيمة هذا التحول لا تكتمل بمجرد الوصول إلى موقع المسؤولية، بل بترسيخ الكفاءة والنزاهة والمساواة وتكافؤ الفرص، وجعل المساءلة معيارا للعمل السياسي بصرف النظر عن الجنس أو الانتماء الحزبي.

ولا يمكن بناء تنمية متماسكة من دون ديمقراطية فعالة، ولا تحقيق عدالة اجتماعية من دون حكامة جيدة ومؤسسات تخضع للمساءلة. فالاختلاف داخل البرلمان ليس خطرا على الاستقرار، بل قد يكون نافذة لتصحيح المسار، متى تجاوز الفرقاء منطق الدفاع عن المصالح الحزبية إلى منطق المسؤولية الوطنية. وما يحتاجه المغاربة ليس مسرحا للسجال، بل فضاء تلتقي فيه الحجة بالقرار، وتتحول فيه الرقابة إلى نتائج ملموسة. وفي قلب هذا السؤال الديمقراطي يبرز ملف لا يجوز أن يبقى على هامش النقاش الوطني: المشاركة السياسية لمغاربة العالم. فالمغاربة المقيمون بالخارج ليسوا خزائن للتحويلات المالية، ولا جسورا اقتصادية تمتد نحو الوطن ثم تنتهي وظيفتها عند حدود الاستثمار. إنهم مواطنون تربطهم بالمغرب ذاكرة وهوية ومصير، ومن حقهم أن يساهموا في صياغة الخيارات الوطنية وأن يكون لهم حضور فعلي في المؤسسات التي تقرر مستقبل البلاد.

لقد أقر دستور 2011، ولا سيما الفصلين السابع عشر والثامن عشر، حقوقا ومبادئ تتصل بمواطنة المغاربة المقيمين بالخارج ومشاركتهم في الحياة العامة. ويبقى التحدي في تحويل هذه المقتضيات إلى آليات عملية واضحة تتيح المشاركة والتمثيل، وفق القوانين المنظمة. فكيف يمكن الحديث عن تعبئة جميع الطاقات الوطنية، بينما يظل إشراك ملايين المغاربة في الخارج في التمثيلية السياسية موضع تعثر؟ إن معالجة هذا الملف تستدعي نقاشا صريحا وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة. ولا ينبغي اختزال مغاربة العالم في مساهماتهم الاقتصادية، مهما بلغت أهميتها. فالمواطنة ليست مقابلا ماليا، والحقوق السياسية ليست مكافأة تمنح لمن يرسل أموالا أكثر. إن هؤلاء يحملون معهم خبرات علمية ومهنية وتجارب دولية يمكن أن تسهم في تحديث الإدارة وتطوير الاقتصاد وتعزيز البحث العلمي وتوسيع الشراكات. وإقصاء طاقاتهم من المشاركة الفعلية لا يحرمهم وحدهم من حقهم، بل يحرم الوطن أيضا من جزء من إمكاناته.

إن الوطن الذي ينتظر من أبنائه في الخارج أن يظلوا أوفياء لاقتصاده، مطالب بدوره بأن يكون وفيا لحقوقهم الدستورية والسياسية. فالمشاركة ليست منة من حزب أو حكومة، بل مبدأ من مبادئ المواطنة المتساوية، وأحد الاختبارات الحقيقية لمدى احترام روح الدستور. تقف الحكومة اليوم أمام فرصة لإثبات أن المرحلة الجديدة ليست امتدادا آليا لما سبقها، وأن التغيير يمكن أن ينتقل من الشعار إلى الممارسة. وعلى المعارضة، في المقابل، أن تثبت أن دورها لا يقتصر على رصد الأخطاء، بل يشمل تقديم البدائل الواقعية وممارسة رقابة جادة تستند إلى الأدلة. فالمطلوب ليس إضعاف الحكومة لذاته، وإنما منع السلطة من التحول إلى دائرة مغلقة لا تتقبل النقد ولا تخضع للمحاسبة. إن المغرب يمتلك طاقات بشرية ومقومات اقتصادية ومؤسساتية تؤهله إلى تحقيق تقدم أكبر، لكن استثمار هذه الإمكانات يظل رهينا بإرادة سياسية صادقة، وثقافة ديمقراطية راسخة، وحكامة تجعل المواطن محور السياسات العمومية، لا مجرد متلق لنتائجها.

فالمغاربة لا يطلبون المستحيل؛ إنهم يريدون دولة تحترم الدستور، ومؤسسات تنصت إليهم، وسياسات تحمي المال العام، وعدالة تضمن تكافؤ الفرص، وتنمية يشعر الجميع بثمارها، ومواطنة لا تتوقف حقوقها عند الحدود الجغرافية. ذلك هو التغيير الذي ينتظره المغاربة داخل الوطن وخارجه؛ تغيير لا يقاس بما تقوله الحكومة في بداية ولايتها، بل بما تنجزه في نهايتها. فهل تكون هذه المرحلة بداية لتصحيح المسار، أم فرصة أخرى لإعادة إنتاج الاختلالات نفسها؟ لن تحسم الجواب الخطب ولا السجالات البرلمانية وحدها، بل ستكتبه القرارات وتكشفه النتائج ويحكم عليه المواطنون من خلال ما يتغير في واقعهم. أما مغاربة العالم، فمطلبهم في المشاركة السياسية ليس هامشا في النقاش الوطني، بل جزء من سؤال أكبر عن مستقبل الديمقراطية المغربية وقدرة الدولة على تحويل المواطنة من نص دستوري إلى ممارسة فعلية، ومن وعد سياسي إلى حق مضمون.

One thought on “بين خطاب الحكومة وانتظارات الشعب”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *