من الناظور غرب المتوسط إلى طنجة المتوسط 3، ليست المسألة توسعة أرصفة ولا مضاعفة أرقام الحاويات، بل إعادة كتابة موقع المغرب في اقتصاد العالم، وتحويل الجغرافيا من قدر صامت إلى قوة سيادية تصنع الثروة وتستدعي المستقبل.
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
بعض الدول لا تحتاج إلى الصراخ كي تعلن عن عظمتها؛ يكفي أن تتأمل ما يجري خلف أبواب القرار، وأن تقرأ في خطوط المشاريع الكبرى ما لا تقوله الأرقام وحدها. ففي القصر الملكي بالرباط، ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، جلسة عمل خُصصت لتتبع تقدم الأشغال بمركب الناظور غرب المتوسط، ومشروع إحداث ميناء طنجة المتوسط 3، في امتداد لمسار وطني يروم الارتقاء بالمغرب إلى مرتبة أكثر تأثيراً في حركة التجارة الدولية وسلاسل القيمة العالمية. ولعل أبلغ ما في هذا المشهد أنه لا يتعلق بميناء هنا وآخر هناك، ولا بإضافة أرصفة إلى أرصفة، أو حاويات إلى حاويات؛ إنه يتعلق بفكرة أعمق وأبعد مدى: أن يصبح المغرب، بوعيه الجغرافي وقراره الاستراتيجي، شريكا في صناعة الطرق التي يعبر منها اقتصاد العالم، لا مجرد بلد تقع على أرضه بعض تلك الطرق. ذلك هو المعنى الذي ينبغي أن يُقرأ به الاجتماع الملكي. فالموانئ، في لغة الاقتصاد، بنية تحتية؛ لكنّها في لغة الجغرافيا السياسية أدوات نفوذ، وفي لغة التنمية أبواب للرزق، وفي لغة التاريخ علامات على قدرة الأمم على تحويل موقعها إلى مكانة، وإمكاناتها إلى قوة، وطموحاتها إلى مؤسسات قادرة على البقاء. إن المغرب الذي ينظر اليوم إلى البحر لا ينظر إليه باعتباره حدا تنتهي عنده اليابسة، بل فضاء تبدأ منه احتمالات جديدة للثروة والتأثير والاتصال بالعالم.
أولا: حين تتحول الجغرافيا من نعمة طبيعية إلى قرار سيادي
ليس المغرب بلدا عاديا من حيث الموقع. فهو يقف عند ملتقى الأطلسي والمتوسط، قبالة أوروبا، وعلى مقربة من واحد من أكثر المضايق البحرية أهمية في التجارة الدولية، ممتداً في عمقه الإفريقي نحو أسواق تتنامى أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية. غير أن الجغرافيا، مهما بلغت سخاءها، لا تمنح الدول مكانة جاهزة. فالموقع الذي لا تسنده بنية تحتية متطورة، ولا تحميه رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قد يظل مجرد امتياز طبيعي لا يترجم بالضرورة إلى ثروة أو نفوذ. ومن هنا تتجلى أهمية الاختيار المغربي: لم يكتفِ بتسجيل موقعه على الخريطة، بل شرع، على مدى سنوات، في تحويل هذا الموقع إلى منظومة متكاملة من الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية وشبكات النقل والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية.
وفي هذا السياق، تأتي جلسة العمل الملكية لتؤكد أن تطوير البنية المينائية ليس سلسلة مشاريع متفرقة، وإنما مسار متصل تتفاعل فيه الموانئ مع الصناعة والطاقة والطرق والسكك الحديدية والتكوين المهني. إن الدولة التي تبني ميناءً لا تبني حوضا مائياً وأرصفة فحسب؛ إنها تنشئ شروطا جديدة لاستقرار الاستثمار، وتختصر الزمن بين الإنتاج والتصدير، وتمنح المقاولات قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق، وتفتح أمام الاقتصاد الوطني فرصا لتغيير موقعه داخل سلاسل الإنتاج العالمية. وهنا تكمن المسألة الجوهرية: المغرب لا يسعى فقط إلى استقبال السفن، بل إلى استقطاب القيمة الاقتصادية التي تحملها السفن، وإلى الاحتفاظ بجزء أكبر من الثروة التي تمر عبر موانئه.
ثانيا: الناظور غرب المتوسط… ولادة قطب استراتيجي على ضفاف المستقبل
في شمال شرقي المملكة، لا يبدو مشروع الناظور غرب المتوسط مجرد استثمار ضخم في البنية المينائية، بل محاولة لإعادة تشكيل المجال الاقتصادي في منطقة تمتلك مؤهلات مهمة، وتحتاج إلى فرص إنتاجية قادرة على توسيع قاعدة التشغيل وتنويع مصادر الدخل. فبحسب المعطيات المقدمة خلال جلسة العمل، بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المرصودة للمشروع، إلى حدود الآن، 54 مليار درهم، تشمل البنيات التحتية المينائية والمنصات الصناعية واللوجستية والطاقية. وهذه الكتلة الاستثمارية لا تكتسب أهميتها من حجمها المالي وحده، بل من تعدد مكوناتها ومن قدرتها المحتملة على إنشاء منظومة اقتصادية تتجاوز الوظيفة التقليدية للميناء.
وتستعد المحطة الأولى للحاويات لدخول حيز الاستغلال، بطاقة مستهدفة تبلغ 3.5 ملايين حاوية عند اكتمال إنجازها، على أن تدخل المحطة الثانية الخدمة في أبريل 2027، بطاقة إضافية تصل إلى 1.8 مليون حاوية. ومع استثمارات خاصة تبلغ ثمانية مليارات درهم لإنجاز المحطتين، يُرتقب أن تصل طاقتهما الاستيعابية الإجمالية إلى 5.3 ملايين حاوية. لكن الرقم، مهما كان كبيرا، لا يقول كل شيء. فالقيمة الحقيقية للمشروع ستتحدد بقدرته على اجتذاب المستثمرين، واستقطاب الصناعات القابلة للتصدير، وخلق طلب مستدام على الخدمات اللوجستية، وربط الناظور بمراكز الإنتاج والتوزيع الوطنية والإقليمية. فالميناء الناجح ليس الذي تتوقف عنده السفن فحسب، بل الذي تتوسع حوله شبكة من المقاولات ومراكز التخزين والتصنيع والخدمات، بما يسمح بتحويل الحركة التجارية إلى نشاط اقتصادي محلي متجدد. وتكتسب المكونات الطاقية للمشروع أهمية خاصة في هذا الإطار. فالمخطط يتضمن محطة للمحروقات، ومنطقة تخزين قد تصل سعتها إلى أربعة ملايين متر مكعب، إلى جانب محطة للغاز الطبيعي المسال بقدرة معالجة تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنويا.
إن الجمع بين الميناء والطاقة والصناعة يوسع الوظيفة الاستراتيجية للمشروع؛ إذ يتيح، من حيث المبدأ، استقطاب أنشطة اقتصادية متعددة، ويمنح المنصة الجديدة قدرة أكبر على التفاعل مع التحولات التي تعرفها الأسواق الدولية في مجال الإمدادات والطاقة وسلاسل النقل. غير أن الطموح لا يُقاس فقط بما يُشيّد من منشآت، بل بما يُنتج من فرص دائمة. فالميناء الذي ينجح في حركة السفن ويعجز عن توسيع قاعدة التشغيل المحلي يظل أقل من الإمكانات التي بُني من أجلها. ولهذا تكتسب التوجيهات الملكية بشأن تكوين الشباب وتأهيلهم وإدماجهم في الأنشطة الاقتصادية الجديدة أهمية تتجاوز بعدها الاجتماعي المباشر؛ إنها تضع الإنسان في قلب المشروع، وتذكّر بأن التنمية ليست مجرد هندسة للمجال، بل هندسة للفرص أيضا. ومن هنا، فإن الرهان الأكبر للناظور غرب المتوسط هو أن يتحول من مشروع مينائي ضخم إلى قطب إنتاجي حقيقي، تتوزع ثماره على الناظور والدريوش والحسيمة والمجالات المرتبطة به، وفق ما تسمح به شبكات الربط والاستثمارات والأنشطة الجديدة.
ثالثا: طنجة المتوسط 3… حين لا يكتفي النجاح بتكرار نفسه
ثمة فرق بين مشروع يُنجز لأن الحاجة تفرضه، ومشروع يُنجز لأن النجاح السابق فتح أمامه أفقا جديدا. لقد منح طنجة المتوسط المغرب موقعا متقدما في شبكات النقل البحري والتجارة الدولية، وأثبت أن الاستثمار في البنيات اللوجستية، حين يقترن بالتخطيط والربط الصناعي والانفتاح على الأسواق، يستطيع أن يغيّر صورة بلد في أعين المستثمرين والشركاء الدوليين. واليوم، يأتي مشروع طنجة المتوسط 3 ليطرح سؤال المرحلة التالية: كيف يحافظ المغرب على قدرته التنافسية في سوق لا تتوقف عن إعادة ترتيب مراكزها، ولا تنتظر طويلا من يتأخر عن الاستثمار في قدراته؟ وفق المعطيات المقدمة في جلسة العمل، سيُقام الميناء الجديد غرب طنجة المتوسط 2، وسيضم 1200 متر من الأرصفة، بطاقة استيعابية إضافية تبلغ 4.5 ملايين حاوية سنويا، واستثمار يناهز ثمانية مليارات درهم. كما أُعلن عن توقيع عقد امتياز مع شركة «ميرسك–إيه بي إم»، إحدى المجموعات العالمية الكبرى في قطاع النقل البحري ومحطات الحاويات. ويأتي ذلك بالتوازي مع توسعة ميناء المسافرين وميناء شاحنات النقل الدولي، والتوسعة الشرقية لطنجة المتوسط 2. ومن المنتظر أن ترفع هذه المشاريع، بعد اكتمالها، الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمركب المينائي إلى 20 مليون حاوية سنوياً.
وهذه الأرقام تفتح أمام المغرب أفقا جديدا في المنافسة على التدفقات التجارية العالمية. لكنها تفرض، في الوقت نفسه، قراءة أكثر عمقا من مجرد الاحتفاء بتضخم القدرة الاستيعابية. فالمنافسة بين الموانئ الدولية لا تحسمها الأرصفة وحدها؛ بل تتدخل فيها سرعة المناولة، وكلفة الخدمات، وموثوقية الربط البري والبحري، وكفاءة الجمارك، وجودة الخدمات الرقمية، والقدرة على تقليص زمن عبور البضائع، فضلا عن استقرار القواعد المنظمة للاستثمار. ومن ثم، فإن الانتقال إلى طاقة تبلغ 20 مليون حاوية لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية اختبار جديد: اختبار قدرة المنظومة المغربية على تحويل الحجم إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى تنافسية، والتنافسية إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني. إن الميناء الكبير لا يصنع مكانته بمجرد أن يصبح قادرا على استقبال المزيد من الحاويات، بل حين يصبح اختيارا مفضلا لدى الخطوط البحرية والمصدرين والمستوردين، وحين تتشكل حوله منظومة صناعية وخدمية تمنحه عمقا اقتصاديا يتجاوز حركة الشحن نفسها. وفي هذا المعنى، تبدو توسعة طنجة المتوسط تعبيرا عن فلسفة تقوم على عدم الاكتفاء بما تحقق. فالنجاح الذي لا يتجدد يتحول، مع مرور الوقت، إلى رصيد تاريخي؛ أما النجاح الذي يراجع قدراته ويوسع استثماراته ويستبق حاجات السوق، فيتحول إلى قوة مستمرة.
رابعا: من الأرصفة إلى سلاسل القيمة… المعركة التي لا تُرى
قد يكون من السهل قياس عدد الأرصفة، أو حساب الطاقة الاستيعابية للحاويات، أو الإعلان عن حجم الاستثمارات. لكن المؤشر الأعمق لنجاح هذه المشاريع لن يكون ظاهرا بالضرورة في الصور الجوية أو البيانات الرسمية. إنه يكمن في السؤال التالي: ما مقدار القيمة الاقتصادية التي ستبقى داخل المغرب بعد عبور البضائع؟
ففي الاقتصاد العالمي المعاصر، لا تكفي السيطرة على نقطة عبور تجارية لضمان نصيب معتبر من الثروة. إذ قد تمر ملايين الحاويات عبر بلد ما، بينما تظل القيمة الأعلى متركزة في التصميم والتصنيع والملكية الفكرية والخدمات المالية والتوزيع والتأمين والتكنولوجيا. ولذلك، فإن التحدي الاستراتيجي أمام المغرب يتمثل في الانتقال التدريجي من موقع الوسيط اللوجستي إلى موقع المنتج والمصدّر والمزوّد بالخدمات ذات القيمة المضافة. وهذا الانتقال يتطلب وصل الموانئ بالمناطق الصناعية، وتطوير النسيج المقاولاتي المحلي، وتحسين تكوين الموارد البشرية، وتشجيع نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز قدرة المقاولات المغربية على الاندماج في شبكات الموردين الدوليين.
كما يتطلب أن تكون المناطق المحيطة بالموانئ جزءا من المعادلة الاقتصادية، لا مجرد فضاءات جغرافية تستضيف منشآت ضخمة. فحين تُبنى بنية تحتية عالمية المستوى من دون أن يتطور الاقتصاد المحلي بالوتيرة نفسها، تنشأ فجوة بين نجاح المشروع ونجاح المجال الذي يحتضنه. أما حين تتكامل البنية التحتية مع المهارات والاستثمار المحلي والخدمات والابتكار، فإن الميناء يتحول إلى محرك تنموي تتجاوز آثاره أسواره وحدوده التشغيلية. ومن هنا، فإن التوجيه الملكي بتوسيع استفادة الأقاليم المعنية وساكنتها ليس تفصيلا مكملا للمشروع، بل أحد المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها نجاحه. فالموانئ تُبنى لتربط المغرب بالعالم، ولكن من الضروري أيضاً أن تربط ثمار الانفتاح الاقتصادي بالمواطن المغربي.
خامسا: الاستثمار في الإنسان… الوجه الاجتماعي للقوة الاقتصادية
في ختام جلسة العمل، شدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس على ضرورة أن تستفيد الأقاليم المعنية وساكنتها من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية الكبرى، مع الدعوة إلى تسريع البرامج التكوينية الملائمة لحاجات الأنشطة الجديدة، بما ييسر إدماج الشباب في سوق الشغل. وهنا تتجلى نقطة بالغة الأهمية في فلسفة التنمية: لا ينبغي أن تنفصل قوة البنية التحتية عن قوة المجتمع الذي يحتضنها. فالميناء الحديث يحتاج إلى مهندسين وتقنيين ومختصين في الأنظمة الرقمية وسلاسل الإمداد والتدبير الصناعي والصيانة والخدمات اللوجستية. ويحتاج، في الوقت نفسه، إلى منظومة تكوين تستبق الطلب بدل أن تنتظر ظهوره، وإلى مؤسسات قادرة على ربط المدرسة والجامعة والتكوين المهني بحاجات الاقتصاد الفعلية.
وإذا كانت المشاريع الكبرى قادرة على خلق فرص مباشرة وغير مباشرة، فإن تحويل هذه الفرص إلى مسارات مهنية مستقرة يتطلب سياسات مواكبة في التشغيل والتأهيل والتنقل والخدمات الاجتماعية، إلى جانب تطوير المقاولات المحلية القادرة على الاستفادة من الطلب الذي ستولده الموانئ. وتتوقع المعطيات المقدمة بشأن الناظور غرب المتوسط إحداث نحو 1400 منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر على المدى القريب. وهي تقديرات تعكس حجم الطموح التنموي للمشروع، لكنها ستظل بحاجة إلى التحقق من خلال التنفيذ الفعلي، وطبيعة الوظائف التي ستُحدث، ومدى استدامتها، ومستوى استفادة الكفاءات المحلية منها. ذلك أن التنمية لا تُقاس بعدد الوظائف المعلن عنها فحسب، بل بجودتها، وبقدرتها على منح الشباب دخلا مستقرا ومهارات قابلة للتطور وفرصا للترقي الاجتماعي. ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار في التكوين ليس إنفاقا موازيا للمشروع المينائي، بل استثمار في قدرته على النجاح. فالميناء الذي يمتلك أحدث التجهيزات، ولا يجد الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها، لا يستنفد سوى جزء من إمكاناته.
سادسا: الملكية الاستراتيجية واستمرارية الرؤية
منذ أن أصبح الاقتصاد العالمي أكثر ارتباطا بحركة التجارة البحرية، تحولت الموانئ إلى عناصر أساسية في حسابات القوة الوطنية. ولم تعد أهميتها محصورة في توفير الخدمات التجارية، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي، واستقرار الإمدادات، والقدرة على اجتذاب الاستثمار، ومكانة الدول في شبكات الإنتاج والتوزيع. وفي هذا السياق، تعكس جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس استمرار نهج يقوم على متابعة المشاريع الكبرى باعتبارها حلقات مترابطة ضمن رؤية تنموية طويلة المدى. وتكمن أهمية هذا النهج في أن البنيات التحتية الضخمة لا تؤتي ثمارها بمجرد وضع مخطط لها أو تدشينها، وإنما تحتاج إلى تنسيق مؤسساتي مستمر، ومتابعة لمراحل الإنجاز، وقرارات تصحيحية عند الحاجة، وربط واضح بين الأهداف الاستراتيجية والنتائج القابلة للقياس.
كما أن المشاريع المينائية الكبرى تتجاوز، بطبيعتها، الزمن السياسي القصير؛ فهي تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتمويل والإنجاز، ثم إلى سنوات أخرى من التشغيل والتطوير واستعادة الاستثمار. ولذلك فإن استقرار الرؤية واستمرارية التنفيذ يمثلان عنصرين مهمين في بناء الثقة لدى المستثمرين والشركاء الدوليين. غير أن قوة الرؤية تُقاس، في نهاية المطاف، بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة: احترام الآجال، وضبط التكاليف، وتحسين الأداء، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. وهنا ينبغي أن يتكامل الطموح الاستراتيجي مع الشفافية في التقييم، ومعايير الحكامة، وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي. فالمشاريع الكبرى تكتسب شرعيتها التنموية الكاملة حين يستطيع المواطن أن يرى أثرها في فرص العمل والدخل والخدمات والآفاق التي تفتحها أمام الأجيال الجديدة.
سابعا: المغرب والرهان الإفريقي والمتوسطي
إن الأبعاد الحقيقية لمشروعي الناظور غرب المتوسط وطنجة المتوسط 3 لا تتوقف عند حدود المملكة. فالمغرب يسعى، عبر تطوير منظومته المينائية واللوجستية، إلى تعزيز موقعه بوصفه حلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي والمتوسط، وإلى توفير منصة قادرة على خدمة المبادلات التجارية وربط المستثمرين بالأسواق. وإذا نجحت هذه المنظومة في الجمع بين الكفاءة التشغيلية والربط الصناعي واللوجستي، فإن أثرها يمكن أن يمتد إلى ما وراء المجال الوطني، عبر دعم المبادلات مع الأسواق الإفريقية، واستقطاب أنشطة صناعية موجهة للتصدير، وتوسيع فرص الشراكات مع الفاعلين الدوليين.
لكن المكانة الإقليمية لا تُمنح بالخطابات، ولا تُحسم بالأرقام المستهدفة وحدها. إنها تُكتسب من خلال انتظام الخدمات، وموثوقية البنية التحتية، وجودة المؤسسات، ووضوح القواعد، وقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة مستدامة. ولهذا، فإن التوسع المينائي ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزءاً من مشروع أوسع لبناء اقتصاد مغربي أكثر ارتباطا بالإنتاج والتجارة الدولية، وأكثر قدرة على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات الأسواق. ففي عالم تتغير فيه خرائط التجارة تحت تأثير التوترات الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية وإعادة توزيع الاستثمارات، لا تملك الدول ترف الاكتفاء بمواقعها التقليدية. عليها أن تطور قدراتها باستمرار، وأن تنشئ شروطا جديدة للمنافسة، وأن تجعل من البنية التحتية أداة لتعزيز استقلالها الاقتصادي. والمغرب، وهو يوسع قدراته المينائية، يراهن على أن يكون فاعلا في هذه التحولات، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.
البحر كأفق للدولة
إن جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في 28 أكتوبر 2026، تحمل دلالة تتجاوز تفاصيل المشروعات المعروضة ومبالغ الاستثمار المخصصة لها. إنها تعيد التأكيد على أن بناء المكانة الاقتصادية للدول يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وإلى مؤسسات قادرة على تحويلها إلى إنجازات، وإلى ربط البنية التحتية بأهداف التنمية البشرية والاجتماعية. فالناظور غرب المتوسط ليس مجرد ميناء جديد على الساحل الشرقي للمملكة، بل فرصة لإعادة توسيع المجال الاقتصادي في منطقة تتطلع إلى استثمارات منتجة وفرص عمل مستدامة. وطنجة المتوسط 3 ليس مجرد امتداد لمركب ناجح، بل اختبار لقدرة المغرب على تجديد تنافسيته وتوسيع حضوره في شبكات التجارة البحرية العالمية. وبين المشروعين تتضح معادلة مغربية متكاملة: موانئ تستوعب حركة التجارة، ومناطق صناعية تولّد الإنتاج، وشبكات نقل تصل المجال الاقتصادي بعضه ببعض، وبرامج تكوين تمنح الشباب القدرة على المشاركة في التحولات المقبلة.
ومع ذلك، فإن القيمة النهائية لهذا الطموح لن تُحسم بحجم الاستثمارات المعلنة، ولا بعدد الحاويات التي يمكن استقبالها، بل بما سيحققه من نمو منتج، وفرص عمل ذات جودة، واستثمارات مستدامة، وتوازن بين الأقطاب الاقتصادية والمجالات الترابية. إن المغرب لا يبني مرافئه لكي يكون ممرّا للعالم فحسب، بل لكي يكون شريكاً في صناعة اقتصاده. ولا يوسع أرصفته ليزيد عدد السفن التي تزوره فقط، بل ليزيد من قدرة اقتصاده على الإنتاج والتصدير وخلق الثروة. وفي هذا المعنى، تتجاوز صورة الملك وهو يتابع مشاريع الموانئ دلالتها البروتوكولية؛ إنها صورة دولة تدرك أن المستقبل الاقتصادي لا يُنتظر عند الشاطئ، بل يُصنع بالاستثمار والتخطيط والعمل المتواصل. حفظ الله صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وأدام على المغرب نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق المملكة إلى أن تجعل من طموحها الاقتصادي قوةً منتجة، ومن موقعها الجغرافي مكانةً مستحقة، ومن مشاريعها الكبرى فرصا حقيقية للازدهار المشترك. فالبحر لا يمنح أسراره لمن يكتفي بالنظر إليه؛ إنما يفتح آفاقه لمن يمتلك الرؤية والإرادة والقدرة على الإبحار نحو المستقبل.

ملك فذ، يترجم رؤية استشرافية من أجل رسم موقع المغرب الجديد المتجدد بين أحضان القوى الصاعدة، من أجل مكان تحت الشمس.