تحول الكراهية إلى غرفة عمليات
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في بعض محطات التاريخ قد يصبح الشر أقل حاجة إلى الأقنعة، لأنه يكتشف أن الشاشة تستطيع أن تمنحه وجها مقبولا، وأن اللغة قادرة على غسل يديه قبل أن تمتد إلى أعناق الآخرين. لا يدخل الوحش دائما من الباب حاملا سلاحه؛ قد يدخل في هيئة رسالة قصيرة، أو تعليق عابر، أو غرفة رقمية مغلقة يتبادل فيها الغرباء أوهام البطولة، بينما يرسمون على خرائط خيالية طرقا لإخراج بشر من وطنهم، كأن المواطنة قطعة أثاث يمكن رميها في الشارع. في فرنسا، أعلن نيابة باريس فتح تحقيق في شبهة التحريض على الكراهية العنصرية، على خلفية رسائل منشورة في مساحة نقاش على منصة X، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية يوم 27 أكتوبر 2026. وجاء ذلك بعد أربعة أيام من الهجوم ذي الدافع العنصري في تراب، بحسب السياق الذي أورده التقرير. وتحدثت الرسائل عن «استعادة الأرض» عبر «فرنسة» حي صغير و«إلغاء أسلمته»، قبل أن تنزلق إلى مفردات أشد قتامة، تتضمن التسميم وإطلاق النار والرش بمواد مؤذية.
هنا لا يعود السؤال متعلقـا بما يكتبه أشخاص خلف أسماء مستعارة فحسب، بل بما يحدث حين تتوقف اللغة عن كونها وسيلة للتواصل وتتحول إلى مختبر لتجريد الإنسان من إنسانيته. فقبل أن يصبح الآخر هدفا محتملا للعنف، يجري تحويله إلى مشكلة، ثم إلى تهديد، ثم إلى جسم غريب ينبغي التخلص منه. إنها هندسة نفسية قديمة، ترتدي اليوم ثيابا رقمية: يبدأ الأمر بتسمية جماعة كاملة بوصفها خطرا، وينتهي بالتعامل مع وجودها كما لو كان خطأ في جغرافيا الوطن. والكراهية، في هذا المعنى، ليست مجرد انفعال غاضب. إنها نظام لتبسيط العالم حتى يصبح قابلا للتقسيم بين أصحاب الأرض والمتسللين إليها، بين بشر يستحقون الحماية وآخرين يجري تصويرهم باعتبارهم فائضا ينبغي محوه. إنها تمنح صاحبها لذة خطيرة: أن يتخيل نفسه حارسا للحضارة، بينما يطالب بتدمير أحد شروطها الأساسية، وهو الاعتراف بأن الإنسان لا يفقد كرامته بسبب دينه أو أصله أو اسمه.
أما عبارة «استعادة الأرض»، فتستحق وقفة فلسفية خاصة. فاللغة السياسية لا تصف الواقع فحسب، بل تصنع أحيانا واقعا متخيلا يعيش فيه المتكلمون. وحين يوصف مواطنون بأنهم احتلال داخل بلدهم، تتحول الجغرافيا إلى أسطورة ملكية مطلقة، ويصبح التاريخ صكا لطرد الأحياء. الأرض، التي يفترض أن تكون فضاء مشتركا للقانون والحقوق، تستحيل في هذا الخطاب قلعة متخيلة، لا يتسع بابها إلا لمن يشبه حراسها. والأشد خطورة أن هذه الأوهام لا تحتاج إلى أغلبية كي تنتج الخوف. يكفي أن تتكرر، وأن تتراكم داخل فضاءات مغلقة، وأن يصفق بعضها لبعض حتى يظن أصحابها أن الصدى إجماع. في الغرف الرقمية، قد يبدو التحريض شجاعة، وقد يبدو التهديد نقاشا، وقد تتنكر الدعوة إلى العنف في هيئة خطة لإنقاذ الأمة. لكن الشاشة لا تلغي مسؤولية صاحب الكلام، كما أن المسافة بين الإصبع والضحية لا تجعل الكلمات بريئة من نتائجها المحتملة.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن المجتمع لا يكون بتحويل كل رأي صادم إلى جريمة، ولا بإطلاق الأحكام قبل اكتمال التحقيق. فالديمقراطية التي تحمي نفسها مطالبة أيضا بأن تحترم قرينة البراءة، وأن تميز بين الرأي المحمي قانونا والتحريض الذي يعاقب عليه القانون، وأن تستند إلى الأدلة لا إلى الانفعال. إن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على إسكات كل صوت مزعج، بل في قدرتها على مواجهة التهديدات الفعلية من دون أن تتخلى عن القواعد التي تمنحها شرعيتها. لكن القانون، على ضرورته، لا يستطيع وحده أن يعالج الخيال الذي يجعل العنف أمرا قابلا للتبرير. فالمعركة الأعمق تجري في اللغة والتعليم والإعلام والحياة اليومية، حيث تتكون الصور الأولى عن الآخر، وحيث يمكن للخوف أن يتحول إلى عقيدة إذا لم يجد معرفة تفككه وواقعا يصحح أوهامه. كما تتحمل المنصات الرقمية مسؤولية جدية في التعامل مع المحتوى التحريضي، من دون أن تصبح الرقابة العمياء بديلا عن العدالة أو أن يتحول الغموض الخوارزمي إلى ملاذ للمساءلة المؤجلة.
بعد الهجوم العنصري في تراب، تكتسب هذه القضية ثقلا إضافيا، لأن الكلمات التي تمجد العنف لا تطفو في فراغ أخلاقي. ومع ذلك، لا يجوز افتراض وجود صلة تنظيمية بين الهجوم والرسائل المنشورة على X ما لم تثبتها التحقيقات. ما يمكن قوله هو أن تزامن العنف الواقعي مع خطاب يدعو إلى الإقصاء يفرض على المجتمع أن يتعامل مع التحريض بجدية، وأن يرفض في الوقت نفسه تحويل الاشتباه إلى إدانة جماعية. إن الجمهورية ليست مجرد علم يرفرف فوق المباني، ولا نشيدا يتردد في الاحتفالات. إنها اتفاق هش، يتجدد كل يوم، على أن اختلاف الأصول والمعتقدات لا يحول المواطنين إلى أعداء، وأن القانون لا يقسم البشر إلى أجساد تستحق الحياة وأجساد يمكن التخلص منها. وعندما تظهر في فضاء رقمي دعوات إلى تسميم الناس أو إطلاق النار عليهم، فإن الخطر لا يكمن في فظاعة الكلمات وحدها، بل في العالم الذي تحاول تلك الكلمات جعله ممكنا.
ربما كانت أكثر المفارقات قتامة أن دعاة «استعادة الحضارة» قد يستعيرون لغة الحرب كي يدافعوا عنها، وأن من يتحدثون عن إنقاذ الوطن قد يبدأون بتضييق تعريف من يحق له أن ينتمي إليه. هكذا تتحول الهوية من مساحة للذاكرة إلى أداة للفرز، والوطن من عقد بين مواطنين إلى ملكية متخيلة تحرسها الكراهية. وفي النهاية، لا تحتاج العنصرية إلى أن تنتصر في الانتخابات كي تترك أثرها؛ يكفي أن تجعل جارا يخشى جاره، ومواطنا يشك في حق مواطن آخر في الوجود، وأن تحول الشارع المشترك إلى حدود غير مرئية. إن أخطر ما في غرفة الكراهية ليس أنها مغلقة، بل أنها تحاول فتح أبواب العالم على صورتها. ومهمة الجمهورية ليست أن تنتصر على خصومها بتقليدهم، بل أن تثبت أن حماية الإنسان ليست امتيازا تمنحه الأغلبية لمن تشاء، وإنما الحد الذي يبدأ عنده معنى الحضارة.
