حين تصبح كلمة «طبيعي» أخطر مكونات الغذاء!
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة مسرح غريب تقام عروضه كل يوم داخل المتاجر الكبرى. على الرفوف تصطف العبوات كأنها كائنات بريئة خرجت لتوها من حدائق الطبيعة، تبتسم للمستهلك بعبارات مطمئنة: «من دون مواد حافظة»، «خال من الملونات»، «مكونات طبيعية». لكن خلف هذا البياض الإعلاني قد تختبئ حكاية كيميائية أخرى، لا تظهر على الواجهة، ولا تدخل في الحسابات التي يرسمها خيال المشتري وهو يضع المنتج في سلته. لقد أصبح الطعام، في زمن التسويق الحديث، يجيد التنكر أكثر مما يجيد الإفصاح عن نفسه. التحذير الذي أطلقته منصة Yuka وجمعية «Que Choisir Ensemble»، المعروفة سابقا باسم UFC-Que Choisir، يضع عشرين منتجا من علامات تجارية واسعة الانتشار تحت مجهر ما يسمى «غسل الإضافات» أو Additive Washing. والمقصود ممارسة تسويقية تقوم على إبراز غياب نوع معين من الإضافات، مثل المواد الحافظة أو الملونات، بينما قد يحتوي المنتج على إضافات أخرى لا تقل إثارة للأسئلة، وبعضها محل جدل علمي أو صحي. إنها ليست مجرد لعبة كلمات على العبوات، بل هندسة دقيقة للانطباع، حيث لا يكذب الإعلان بالضرورة في كل كلمة، لكنه قد يدفع المستهلك الى استنتاج مضلل.
هنا تكمن براعة الخداع الحديث: لا حاجة الى إخفاء الحقيقة كلها، يكفي اختيار الجزء الذي ينبغي إظهاره منها. فالعبارة «من دون مواد حافظة» قد تكون صحيحة من الناحية التقنية، لكنها لا تعني أن المنتج خال من جميع الإضافات، ولا أنه طبيعي بالكامل، ولا أنه أكثر فائدة صحية من منافسيه. وكذلك فإن غياب الملونات لا يمنح الطعام شهادة براءة كيميائية. فالمستهلك يسمع جملة محددة، لكن خياله يكملها بجملة أكبر: هذا المنتج صحي، آمن، ونظيف. وبين ما تقوله العبوة وما يفهمه الإنسان تتسع مساحة كاملة يمكن أن يسكنها التضليل. إنها ظاهرة تكشف تحولا عميقا في العلاقة بين الإنسان وغذائه. ففي الماضي كان الطعام يحمل اسمه ورائحته ومصدره، أما اليوم فقد أصبح يحتاج الى هوية تسويقية، وسيرة أخلاقية، وشهادة طهارة مطبوعة بألوان جذابة. لم تعد الشركات تبيع مذاقا وقواما ومدة صلاحية فحسب، بل تبيع للمستهلك إحساسا بأنه يتخذ قرارا صحيا وأخلاقيا. وهكذا تتحول الصحة الى علامة تجارية، وتصبح البراءة منتجا معبأ في علبة.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه الممارسة تستثمر في خوف مشروع لدى الناس. فالمستهلك المعاصر محاط برسائل متناقضة عن السكر والدهون والمواد المضافة والتصنيع الغذائي. يريد أن يأكل دون أن يؤذي جسده، وأن يثق فيما يشتري، لكنه لا يملك دائما المعرفة الكيميائية التي تسمح له بفك شيفرة الملصقات. هنا تتحول فجوة المعرفة الى فرصة تجارية: الشركة تتحدث بلغة علمية انتقائية، والمستهلك يشتري بلغة الثقة. لكن هل كل إضافة غذائية خطرة؟ بالطبع لا. فالمواد المضافة ليست كتلة واحدة، وتختلف وظائفها وخصائصها ودرجة تقييمها العلمي والجرعات المسموح بها. بعضها يؤدي أدوارا تقنية مهمة في حفظ الغذاء أو تحسين استقراره، وبعضها يخضع لنقاشات علمية وتنظيمية متواصلة. لذلك فإن مواجهة التضليل لا تعني صناعة ذعر جديد من الكيمياء، ولا تحويل كل رقم يبدأ بحرف E الى وحش مختبئ في طبق الطعام. المطلوب هو التمييز بين الخطر المثبت، والجدل العلمي، والمعلومة المبتورة التي تتحول على مواقع التواصل الى حقيقة مطلقة.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود كلمة كيميائية على العبوة، بل في غياب الشفافية وفي استغلال محدودية معرفة المستهلك. فمن حق الإنسان أن يعرف ما يأكل، ومن حقه أيضا ألا يضطر الى أن يصبح كيميائيا ومحققا ومفتشا صحيا كلما دخل متجرا لشراء وجبة عادية. ومن هنا تكتسب مطالب Yuka و«Que Choisir Ensemble» أهمية تتجاوز المنتجات العشرين التي أثارت الجدل، إذ تدعو الى وضع حد للعبارات التي قد تمنح انطباعا صحيا مضللا. فالمسؤولية لا تقع على المستهلك وحده، ولا يجوز أن يصبح فهم الحقيقة الغذائية امتحانا يوميا في فك المصطلحات. على الشركات أن تتحمل مسؤولية خطابها، وعلى الجهات الرقابية أن تضمن وضوح المعلومات، وعلى التشريعات أن تمنع استخدام الحقيقة الجزئية لصناعة وهم كلي.
إن أخطر ما في هذه الحكاية أن الإنسان قد يبتلع التضليل قبل أن يبتلع الطعام. فحين تتحول العبارة التسويقية الى بديل عن المعرفة، تصبح العبوة كتابا يقرأه المستهلك بعينيه، بينما يكتب الإعلان داخله معنى لم يقله النص حرفيا. ربما آن الأوان لكي نعيد تعريف نظافة الغذاء: ليست النظافة أن تختفي كلمة معينة من قائمة المكونات، ولا أن تتزين العبوة بأوراق خضراء وصور حقول نقية، بل أن تكون العلاقة بين المنتج والمستهلك قائمة على الصدق، وأن يعرف المشتري ما يوجد في طعامه، ولماذا يوجد، وما الذي نعرفه علميا عن تأثيره. ففي عالم تستطيع فيه الشركات أن تبيع الوهم داخل عبوة محكمة الإغلاق، يصبح الوعي الغذائي شكلا من أشكال الدفاع عن الحرية. لقد تعلمنا طويلا أن نقرأ تاريخ الصلاحية قبل أن نشتري الطعام، وربما حان الوقت لنتعلم قراءة تاريخ الحقيقة على العبوة أيضا. فالطعام قد يخلو من المواد الحافظة، لكن من يحفظ المستهلك من الوعود المضللة؟

حقيقة تكشف خبث اللغة، بين البناء النحوي والمنطقي السليمين، وبين قوة اللغة على التوهيم. وهي هنا منسجمة مع ماهية الحقيقة ذاتها: الحقيقة تهاب العرب، لذا تتستر وراء الإشتباه.د، ومنها الشبهة.