4.914 خلف القضبان… حين تتحول الشوارع الفرنسية إلى محكمة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في اللحظات التي يخرج المجتمع من البيوت للاعتراض على من هم في المسؤولية, وترتفع الأصوات كما لو أنها تحاول إيقاظ مدينة نامت طويلا فوق قلقها الاجتماعي, يصبح الشارع صورة للقلق المعاش والسائد . ما يحدث في فرنسا هذه المرة يضعنا أمام مشهد تتداخل فيه السياسة بالقضاء، والاحتجاج بالعقوبة، والغضب بالسؤال القديم عن حدود الحرية. 4.914 شخصا وُضعوا تحت الحراسة النظرية، و329 شخصا أُودعوا السجن منذ السابع عشر من أكتوبر، وفق الأرقام التي أعلنها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان في مقابلة تلفزيونية على قناة BFMTV يوم 3 نوفمبر 2026. أرقام ثقيلة، لا تشبه مجرد إحصاء إداري؛ إنها أشبه بصفحات من سجل اجتماعي مفتوح، تسجل ما يحدث حين يصطدم الشارع بمؤسسات الدولة. وقد أشار الوزير إلى أن 70 في المئة من الموقوفين بالغون، مقابل 30 في المئة من القاصرين، معتبرا أن ذلك يؤكد أن الحراك ليس امتدادا لاحتجاجات طلاب الثانويات، بل حركة ذات قاعدة راشدة.

لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تقول كل شيء. فالرقم لا يملك ذاكرة، ولا يسمع ارتجاف اليد التي رفعت لافتة، ولا يعرف ما إذا كان الشخص الذي وجد نفسه في مركز للشرطة قد خرج احتجاجا على غلاء المعيشة، أو تورط في أعمال عنف، أو ارتكب فعلا يجرّمه القانون. وهنا تبدأ ضرورة التمييز بين الاحتجاج بوصفه حقا ديمقراطيا، والعنف بوصفه فعلا يستوجب المساءلة. فالديمقراطية التي تتسامح مع العنف تفقد توازنها، والدولة التي تعامل كل غضب باعتباره تهديدا تفقد شيئا من روحها. إن وراء هذه الاحتجاجات سؤالا اقتصاديا يتجاوز أسعار السلع والفواتير والقدرة على تدبير نهاية الشهر. إنه سؤال الكرامة اليومية. فالغلاء ليس مجرد عملية حسابية ترتفع فيها الأرقام على رفوف المتاجر، بل تجربة نفسية واجتماعية تجعل الإنسان يشعر بأن جهده يتآكل، وأن راتبه يبتعد عن احتياجاته، وأن المستقبل يتحول إلى غرفة انتظار لا يعرف متى يُفتح بابها. وحين يصبح العمل عاجزا عن ضمان الحد الأدنى من الطمأنينة، لا يعود الاحتجاج حدثا طارئا، بل يصبح لغة يلجأ إليها المجتمع عندما تضيق به لغات السياسة التقليدية.

من هنا، لا ينبغي قراءة عدد الموقوفين باعتباره انتصارا للسلطة أو هزيمة للشارع. فالدولة ليست في مباراة لتسجيل الأرقام، والمجتمع ليس خصما ينبغي كسر إرادته. إن القيمة الحقيقية للمؤسسات تُقاس بقدرتها على حماية النظام العام من دون سحق الحقوق، وبقدرة القضاء على التمييز بين من مارس العنف ومن مارس حقه في التعبير. فالحراسة النظرية ليست إدانة، والتوقيف ليس حكما قضائيا، كما أن الإيداع في السجن لا ينبغي أن يتحول إلى أداة رمزية لإرسال رسالة سياسية إلى الشارع. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات هو أن يتحول القانون من ميزان للعدالة إلى لغة تستعملها الأطراف المتصارعة، كل بطريقتها. السلطة ترى في صرامة العقوبة تأكيدا لهيبتها، والمحتجون قد يرون في اتساع دائرة الملاحقات دليلا على أن صوتهم غير مرغوب فيه. وبين التصورين تقف العدالة مطالبة بأن تظل مستقلة، لا تنتقم باسم الدولة، ولا تتساهل باسم الشارع.

هناك أيضا دلالة تستحق التأمل في نسبة القاصرين المعلنة، التي بلغت 30 في المئة. فوجود هذا العدد من اليافعين بين الموقوفين يفتح سؤالا أبعد من المسؤولية الجنائية الفردية: أي صورة عن المستقبل يحملها جيل يجد نفسه في قلب اضطراب اجتماعي؟ وما الذي يجعل بعض الشباب يرون الشارع فضاء للتعبير، فيما يراه آخرون ساحة للمواجهة؟ لا يجوز اختزال هؤلاء جميعا في صورة واحدة، لكن من الخطأ أيضا أن نغلق أعيننا عن دلالة حضورهم في هذا المشهد. إن فرنسا، بتاريخها الجمهوري وبذاكرتها الثورية، تعرف جيدا أن الشارع ليس دائما نقيضا للدولة؛ فقد كان في محطات كثيرة أحد مصادر تجديدها وتصحيح مسارها. لكن الذاكرة الثورية نفسها لا تمنح العنف حصانة، كما أن سلطة القانون لا تمنح الدولة حق مصادرة الأسئلة الاجتماعية. فالاستقرار الذي يقوم على الخوف قد ينجح في إسكات الضجيج مؤقتا، لكنه لا يعالج الأسباب التي جعلت الضجيج ممكنا.

ما تحتاج إليه فرنسا اليوم ليس فقط جوابا قضائيا عن الأفعال التي ارتُكبت، بل جوابا سياسيا واجتماعيا عن الأسباب التي دفعت الناس إلى النزول إلى الشوارع. فالاعتقال قد يوقف شخصا، والمحاكمة قد تفصل في مسؤوليته، والعقوبة قد تحقق الردع، لكن لا شيء من ذلك يستطيع وحده أن يخفض فاتورة المعيشة، أو يعيد الثقة إلى مواطن يشعر أن المسافة بين دخله وحياته تتسع كل يوم. فربما لا تكمن المأساة في أن يمتلئ سجل التوقيف بهذه الأرقام، بل في أن يصبح المجتمع معتادا على رؤية الاحتجاج في صورة ملف أمني، بدلا من قراءته باعتباره رسالة سياسية تستحق الإنصات والتحليل. فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع أن تملأ السجون، بل تلك التي لا تضطر مواطنيها إلى الشعور بأن لا أحد يسمعهم خارج الأسوار. فالشارع حين يغضب لا يطلب دائما أن تسقط الدولة؛ أحيانا يطلب منها فقط أن تنظر في عينيه، وأن تتذكر أن القانون وُجد لحماية الإنسان، لا لكي يتحول الإنسان إلى رقم في دفتر العقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *