«الوتد الاستراتيجي» المغربي في وجه فيتو موسكو
بقلم د. عبد الفتاح نعّوم, أستاذ القانون-مراكش
بمقارنة مرورَي الوزير بوريطة على القناة الثانية، بعد اعتماد القرار 2797 وبعد فشل اعتماد مشروع القرار الموالي له، تبرز بوضوح المفارقة بين عناية المغرب القبلية بعدم استخدام الفيتو في عام 2025، وعدم مبالاته به بعد علمه المسبق بالمسعى الروسي إلى استخدامه في هذا العام. ولعل ذلك يعزز الفرضية التي تجعل المغرب في موقع لا يقتصر فيه الأمر على أنه «أخذ علمًا» ولم يرغب في التفاوض مع الروس لإقناعهم بالإحجام عن استخدام الفيتو، مع التسليم بأن ذلك كان سهلا يسيرا عليه لو أراد، بل إنه، على الأرجح، كان صانعًا للمشهد برمته بين واشنطن وموسكو. بالطبع، رواية وزير الخارجية مقنعة جدًا، ومقارنة ذلك باستنفار المغرب في وجه الأمريكيين والفرنسيين والإسبان والإيرانيين والألمان والسنغاليين ومنظمة الوحدة الإفريقية برمتها سابقا، كفيلة بأن تعطينا صورة عمّا كان سيقابل به الروس لو كان الأمر يتعلق بفعل جرى من وراء ظهره، أو حتى بسلوك معاد له، ولو أنه كان قد أخذ به علما.
لكن الأمر، والحالة هذه، أبعد من ذلك ربما. فعلى الأرجح، يتعلق الأمر هنا بفخ دبلوماسي محكم وقعت فيه الجزائر، ودافعت هي نفسها عن الفيتو الروسي، بل وقدّمت في مقابله أثمانًا جيوسياسية لا حصر لها. ولم يكن المشروع الأمريكي سوى الدافع إلى ذلك. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن إخطار لافروف لبوريطة لم يكن سوى للتداول بشأن صيغة مخففة من مشروع القرار، لاقتناع الروس بأن المغرب سيعتبر الفيتو معاداة له. وهكذا يكتمل المسار بموافقة المغرب على الفيتو، بقدر ما يوصله ذلك إلى نتائج أفضل من اعتماد القرار، سواء بصيغته الأمريكية الأولى أو بعد تعديله. لا شك إذن أن الجزائر وصنيعتها قد فهمتا، قياسا على سوابق رفض المغرب توسيع مهام المينورسو ومقاومته للفيتو، أنه سيرفضه هذه السنة أيضا، وقد يؤدي به ذلك إلى الاصطدام بالروس. وكان هذا وعاء تجريبيا كافيا لاستدراج القوم إلى الفخ الذي تمثل في المسودة الأمريكية. ولا شك أن الروس أيضا فهموا من ذلك المأزق برمته أنه فرصة للعب دور تسووي بين الجزائر والمغرب، بقدر حرصهم على الحفاظ على علاقات براغماتية مع الدولتين، وبقدر معرفتهم بمحاذير المغرب المألوفة في مثل هذه الحالات. ومن هنا جاء إخطار لافروف لبوريطة المشار إليه، قبل أن ينقلب السحر على الساحر.
لقد جنى المغرب، تبعا لذلك، نتائج القرار حتى وهو لم يُعتمد، وجنى معه شيئا بالغ الأهمية، وهو التنسيق المتقدم مع الروس. فبلاد القياصرة اليوم جنت فوائد جيوسياسية جمّة من مهابيل المرادية، لأنّها نفذت وعدها الذي قطعته لهم وأحبطت القرار بالفيتو. وهي، طبعا، ليست مسؤولة عن ذكاء المغرب وقدرته على التموضع السريع إزاء الواقعة برمتها وتحويل التهديد إلى فرصة. وبالمقابل، ستطالب روسيا بالأثمان التي وُعدت بها، لتصبح مستفيدة من وضعها مع الجزائر، وفي الوقت نفسه من علاقة مستقرة ومتقدمة مع المغرب؛ حيث تصطاد سفنها في سواحل الصحراء المغربية، وتعبر منتوجاتها الطاقية من أمام الجزائر نحو المغرب، فضلا عن أشياء أخرى مما نعلم وما لا نعلم. وإلى جانب كل هذا، تصبح روسيا شريكا لشمال إفريقيا، يمتلك أوراقًا حقيقية تمتد من الاقتصاد إلى الدبلوماسية، وتصبح شريكا ضامنا لاستقرار هذه المنطقة. فلنا أن نتخيل أن عساكر الدولة الوحيدة الذين كانوا يجنحون بخيالاتهم المريضة صوب التلويح بحرب ضد المغرب، هم اليوم يمتلكون سلاحا معظمه من هذه روسيا. وهي، بهذا الفيتو الذي لم تخسر المغرب بسببه، تحمّلهم جميلا ودَينا، وسيكون ذلك دافعا لها إلى وضع فيتو آخر على أي استخدام لسلاحها في أي حرب قد يجنح نحوها خيال شنقريحة المصاب بمتلازمة أمغالا.
ولذلك، نسب بوريطة الإيعاز إلى الروس باستخدام الفيتو إلى الجزائر، ولم تمض سوى ساعات على تصريحه حتى اختارت طائرة لافروف الهبوط في الدار البيضاء، قادمةً إليها من الولايات المتحدة الأمريكية، قبل استئناف طريقها نحو موسكو. وهو ما يشي بأن الروس قد خاضوا غمار مناورة سياسية أكسبتهم الكثير دون أن يقلقوا أحدا. وطبعا، ليس هذا سوى ثمرة تنسيق، معلن أو غير معلن، وهو أسلوب تجيده الدول العريقة مثل روسيا والمغرب، لا سيما أن مدارسهما الدبلوماسية ملأى بالسوابق والنماذج الشبيهة بما جرى ويجري اليوم. ولعل ما كشفته وسائل إعلام أوروبية خلال اليومين الماضيين من أنباء ترجّح أن يكون نقل قوات عسكرية جزائرية إلى النيجر قد تم بتنسيق مع الروس، وذلك لتعويض عناصر الفيلق الإفريقي (فاغنر سابقًا)، كفيل أيضًا بتفسير سبب مباغتة سلطات النيجر مناورات المرادية، باختيارها اتجاهين: نحو الشرق، عبر إعلان تنسيق واضح المعالم مع حفتر، ونحو الغرب، عبر بحث سبل التعاون في مجال الطاقة بين سفير المغرب ووزير النفط. وكلاهما إشارتان إلى رفض النيجر أن تكون مطية جيوسياسية جزائرية، أو قفازا تحاول بلاد العم تبون أن ترتديه بعد أن حيّدت مالي، وكسبت غطاء طاقويا-أمنيا أمريكيا، وركعت على ركبتيها في كانوسا الفرنسية.
وإذا كان أسلوب إنهاء عمل البعثات الأممية قد أبان عن فوائده بالنسبة إلى الطرف الأقوى، الذي تشكل البعثة بالنسبة إليه عبئا تقييديًا، كما هو الشأن في حالات روسيا في أبخازيا، والمغرب في الصحراء، وإثيوبيا في بادمي، ومصر في سيناء قبيل حرب يونيو، والتي، بالرغم من أن مصر خسرتها، فإنها استفادت من إزالة البعثة قبيل الحرب، وسريلانكا في تاميل إيلام، وأذربيجان في ناغورنو كاراباخ، رغم أن سريلانكا وأذربيجان لم تعرفا استقبال بعثات أممية بالمعنى الدقيق؛ فإن الاستفادة من زوال البعثات في تلك التجارب كانت دائمًا مشروطة بمدى إمساك الدول المعنية بزمام المبادرة على الأرض. ويختلف ذلك عن تجارب أخرى تسبب إنهاء البعثات الأممية المعنية بها في كوارث أمنية، مثل حالات رواندا والصومال والبوسنة والهرسك والسودان ومالي. ويضاف إلى ذلك نماذج البعثات التي تمكنت فعلًا من تحقيق نتائج ناجحة جعلت إنهاء عملها أمرًا طبيعيًا، مثل حالات ناميبيا وسيراليون وكوت ديفوار وليبيريا وتيمور الشرقية.
فما قام به المغرب من تموضع سريع وذكي إزاء نتائج الفيتو الروسي يكاد يكون إدراكا منه لآلية ديناميكية في العلاقات الدولية، تستخدمها الدول بصور تحتاج إلى قدر من الإبداع والمباغتة والتوقع وإدارة المعطيات، بقدر ما تكون قادرة على تفخيخ تحركات الخصوم والاستفادة منها كما هي. وهو ما يجعل الدول غالبا تقبل بما يبدو سلبيا وخسائريا في البداية، ليتضح لاحقا أنّها الرابح الأكبر في اللعبة. ومن هنا تبرز أهمية «استراتيجية الوتد/الإسفين» التي صاغها عالم السياسة الأمريكي تيموثي كروفورد، والتي تقوم على مبدأ ضرورة اقتسام الحلفاء مع الخصوم، وذلك على النحو الذي جعل المغرب يقتسم النفوذ الروسي مع الجزائر، ويفوّت عليها فرصة الاستفراد به وتحويل روسيا إلى خصم للمغرب، تأسيسًا على تجارب سابقة لمواقف المغرب تجاه القوى التي تعاكسه.
إذن، فالتحوط الاستراتيجي اقتضى من المغرب أن يغيّر قواعد اللعبة برمتها، وأن يقبل بما كان من المستحيل أن يتوقع أحد قبوله به. بل إن المغاربة، عن بكرة أبيهم، من سياسيين ومثقفين وقانونيين وإعلاميين، قد ظنوا للوهلة الأولى أن المغرب خسر معركة دبلوماسية، وتوقعوا مواجهة مغربية مع الروس، ليصدر البلاغ الملكي بمثابة بلسم على صدور المغاربة، وكالصاعقة على من توهموا أن الفيتو الروسي هو القشة التي ستقصم ظهر البعير. وهكذا تبعثرت أوراقهم بين شكر روسيا على الفيتو، والتأسف على نهاية حياة المينورسو التي ما فتئوا ينظرون إليها بوصفها دليلًا على أطروحتهم، ونافيًا لسيادة المغرب على صحرائه، ومُشرعنًا للاستفتاء، لا بوصفه إجراء فحسب، وإنما بوصفه هو وتقرير المصير شيئا واحدا مترادفا، لا يُنطق بأحدهما إلا ليعني الآخر.
وأمام هذا العته والبؤس السياسي، لا ترى روسيا في شمال إفريقيا برمتها سوى مساحة للتنافس مع الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين والصين. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى هذه المنطقة من منظور «وثيقة إيزنستات»، باعتبار ما تتيحه المنطقة من فرص لتكون مفتاحًا شماليًا لإفريقيا، فإن الروس سيبحثون دائمًا عن فرص التوازن ومراعاة هواجس «الضعيف»، لكي يختطوا بذلك هم أيضا «وتدا» لإيزنستات. وطبعًا، تدرك كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أن المغرب يتميز عن الجزائر بمزجه بين براغماتية تجعله قادرا على المناورة والتحوط بين القوتين العظميين، وتمسكه، في المقابل، بعقائده ومصالحه الحيوية غير القابلة للتنازل أو التصرف. في حين تظل «الدولة الوحيدة والأولى» تراوح مكانها بين رفض الشيء ثم تبنيه دعائيا لاحقا…

في الصميم.