بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس
لم تعد تشاد مجرد دولة حبيسة تتقاذفها ارتدادات الأزمات الإفريقية، ولا مجرد فضاء جغرافي فاصل بين شمال القارة وعمقها الصحراوي. إنها تتحول، في سياق التحولات الاستراتيجية المتسارعة التي يشهدها الساحل والصحراء، إلى مركز ثقل تتقاطع عنده مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي، وتتشابك فوق أرضه حسابات الأمن والطاقة والاستخبارات والتمدد العسكري. وفي قلب هذه المعادلة يبرز ممر جغرافي بالغ الحساسية يمتد من فزان الليبية، مرورا بمداما، وصولا إلى تيبستي وأم جرس، ليشكل شريانا استراتيجيا تتنافس على التحكم فيه شبكات متعددة، لا يجمع بينها سوى إدراكها العميق لقيمة هذا المجال في هندسة المستقبل السياسي والأمني للقارة.
إن ما يجري في هذا الفضاء لا يمكن اختزاله في حادث أمني عابر، أو توتر دبلوماسي بين نيامي ونجامينا، أو تحركات عسكرية متفرقة على الحدود. نحن أمام مشهد أكثر تعقيداً: أربع شبكات نفوذ تتقاطع في رقعة واحدة، وتتنازع على الممرات والتمركزات ومصادر التأثير، فيما تجد الجزائر نفسها أمام اختبار استراتيجي بالغ الدقة، عنوانه: كيف تحمي عمقها الأمني ومصالحها الطاقوية من دون أن تتحول إلى طرف محاصر داخل شبكة تناقضات إقليمية ودولية؟ إن تشاد، بهذا المعنى، لم تعد مجرد جار استراتيجي للجزائر، بل أصبحت إحدى بوابات إعادة تشكيل التوازنات في الساحل.
إيمي لولو: الشرارة التي كشفت ما وراء الحدود
في الرابع والعشرين من أكتوبر 2026، عند الساعة الواحدة صباحا، شهدت منطقة إيمي لولو، في محيط أغاديز ضمن المجال الحدودي المتداخل بين الجزائر والنيجر وليبيا، ضربة بطائرة مسيّرة أسفرت، وفق المعطيات المتداولة، عن مقتل مدنيين اثنين. لم يكن وقع الحادث مقتصرا على حصيلته البشرية، بل امتد سريعاً إلى المجال السياسي والدبلوماسي، بعدما استدعت نيامي السفير التشادي ووجهت اتهامات إلى نجامينا، متحدثة عن تورطها في الحادث بدعم فرنسي، في حين نفت تشاد مسؤوليتها وطالبت بتحقيق دولي مستقل، مع نشر الأدلة التي تستند إليها الاتهامات.
غير أن أهمية هذه الواقعة تكمن في موقعها الجغرافي وتوقيتها السياسي أكثر مما تكمن في تفاصيلها الميدانية وحدها. فهي وقعت في منطقة تتداخل فيها الحسابات الحدودية والعسكرية والطاقوية، وفي فضاء بات يشكل إحدى نقاط الاهتمام الاستراتيجي الجزائري، خصوصاً في ما يتعلق بمداما ومحيطها. ومن هنا، تكتسب القراءة التي قدمها الأمين العام السابق لوزارة الخارجية الجزائرية، عمار بلاني، في منشوره بتاريخ 28 أكتوبر، أهمية خاصة؛ إذ اعتبر أن الحادث يكشف عن ثلاث طبقات متداخلة من التنافس، تتعلق بالنفوذ اللوجستي الإماراتي، والامتداد التقني والأمني الإسرائيلي، ومحاولات العودة الفرنسية إلى المجال التشادي. إن المسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق فقط بتحديد الجهة التي أطلقت المسيّرة، بل بفهم البيئة الاستراتيجية التي جعلت من هذا الحادث شرارة قابلة لإشعال أزمة إقليمية أوسع.
الإمارات: النفوذ اللوجستي وصناعة العمق الخلفي
تحتل الإمارات موقعا مركزيا في شبكة النفوذ التي تتقاطع داخل المجال التشادي. فوفق تحقيقات دولية نقلها موقع «إنترلين» بتاريخ 28 أكتوبر 2026، تبرز أم جرس، في شرق تشاد، باعتبارها نقطة خلفية ذات أهمية لوجستية في مسارات الإمداد المرتبطة بقوات الدعم السريع في السودان. وتتجاوز أهمية هذا المعطى حدود الجغرافيا التشادية؛ إذ يكشف عن تشكل فضاء إمداد عابر للحدود، تتداخل فيه الحسابات السودانية والليبية والتشادية، وتتحول فيه المناطق الحدودية إلى أدوات تأثير في مسارات الحروب الإقليمية. وتتعزز هذه الصورة من خلال علاقات أبوظبي الوثيقة بخليفة حفتر، التي امتدت، بحسب المعطيات الواردة، إلى التمويل والتعاون العسكري وتوفير الطائرات المسيّرة منذ عام 2019. وهكذا تتشكل شبكة ذات امتداد جغرافي واسع، تربط شرق ليبيا بشرق تشاد وبمسارح الصراع السوداني، وتمنح الفاعلين المرتبطين بها قدرة على التأثير في توازنات منطقة الساحل والصحراء.
بالنسبة إلى الجزائر، لا يمكن النظر إلى هذا الحضور بمعزل عن القطيعة الدبلوماسية مع الإمارات في العاشر من سبتمبر 2026، وهي قطيعة وصفها الرئيس عبد المجيد تبون بأنها «لا رجعة فيها»، بالتوازي مع قرار إغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات المسجلة في الإمارات إلى نهاية العام نفسه، على خلفية ما وصفته الجزائر بأنشطة عدائية ومحاولات لاحتواء نفوذها الإقليمي. وهنا تتخذ المنافسة بعداً يتجاوز الخلاف الدبلوماسي التقليدي. فالجزائر تنظر إلى التحركات الإماراتية في جوارها الاستراتيجي باعتبارها جزءاً من معادلة ضغط تمس أمنها القومي ومصالحها الإقليمية، في حين لا يمكن فصل امتدادات النفوذ الإماراتي في ليبيا وتشاد والسودان عن التنافس على الممرات الحيوية ومناطق التأثير في شمال إفريقيا والساحل. إن خطورة هذا التداخل تكمن في أن الجزائر قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع دولة شريكة في علاقاتها الثنائية، بينما تتحرك بعض الشبكات المرتبطة بها في مسارات تتعارض مع حساباتها الاستراتيجية.
إسرائيل: الاختراق التقني في المجال الاستراتيجي الجزائري
إذا كان الحضور الإماراتي يتجلى أساسا في البنية اللوجستية والامتدادات العسكرية، فإن الحضور الإسرائيلي يقوم على مدخل مختلف، قوامه التكنولوجيا والأمن والاستخبارات والتعاون القطاعي. لقد أعادت تشاد علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل سنة 2019، وافتتحت سفارة لها في تل أبيب سنة 2023. ومنذ ذلك الحين، أصبح التعاون بين الطرفين قابلاً للتوسع في مجالات متعددة، تشمل الأمن والاستخبارات والتكنولوجيات، فضلاً عن الزراعة وإدارة المياه والصحة. وفي قراءة عمار بلاني، تسعى إسرائيل إلى تثبيت حضور متعدد المستويات داخل نجامينا، لا يقتصر على التمثيل الدبلوماسي، بل يمتد إلى قطاعات استراتيجية تتيح بناء علاقات طويلة الأمد مع مؤسسات الدولة التشادية.
وتكمن الأهمية الجيوسياسية لهذا التوجه في خصوصية الحالة التشادية؛ فهي تمثل، في هذا السياق، دولة ساحلية مسلمة تحتفظ بعلاقات مفتوحة مع إسرائيل، بما يجعلها منفذاً مهماً لتوسيع الحضور الإسرائيلي داخل فضاء الساحل والصحراء. وبالنسبة إلى الجزائر، التي تعتبر إسرائيل خصما استراتيجيا، فإن المسألة لا تتعلق بالاختلاف السياسي حول طبيعة العلاقات الدبلوماسية فحسب، بل بما قد يترتب على هذا الحضور من امتدادات أمنية وتقنية واستخباراتية في مجال تعتبره الجزائر جزءا من محيطها الحيوي. إن الاختراق، هنا، لا يحتاج بالضرورة إلى قواعد عسكرية أو انتشار مباشر. فقد تكون التكنولوجيا، وشبكات التعاون الأمني، والتحكم في تدفقات المعلومات، أدوات أكثر تأثيراً وأطول عمراً من الوجود العسكري التقليدي. وهكذا، تصبح نجامينا إحدى نقاط التماس بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل المجال الاستراتيجي في الساحل: رؤية جزائرية تقوم على منع الاختراقات المعادية في عمقها الإفريقي، ورؤية إسرائيلية تسعى إلى توسيع شبكة علاقاتها الأمنية والتقنية في منطقة شديدة الحساسية.
فرنسا: عودة من بوابة التدريب بعد الانسحاب العسكري
أما فرنسا، فتبدو وكأنها تبحث عن صيغ جديدة لاستعادة موطئ قدم في المجال التشادي، بعد أن اضطرت إلى إنهاء اتفاق التعاون الدفاعي مع نجامينا في يناير 2025، في سياق التراجع الكبير لنفوذها العسكري في منطقة الساحل، خصوصاً عقب خسارة مواقعها التقليدية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. لكن الانسحاب من القواعد لا يعني بالضرورة التخلي عن أدوات النفوذ، كما أن إنهاء اتفاق دفاعي لا يضع حدا تلقائيا للعلاقات العسكرية والاستخباراتية. وفي هذا السياق، تحدثت المعطيات الواردة عن توقف طائرتين من طراز ميراج 2000 وطائرة نقل من طراز كازا فرنسية في نجامينا يوم 29 أكتوبر 2026، تحت عنوان المشاركة في تمرين تدريبي مع ساحل العاج والغابون. غير أن توقيت هذا التحرك، الذي جاء بعد أيام قليلة من حادثة إيمي لولو، فتح الباب أمام تساؤلات بشأن خلفياته ودلالاته.
ويرى بلاني أن باريس تحاول الحفاظ على ما تبقى من حضورها الاستراتيجي في المنطقة، بعد أن فقدت جانباً مهماً من نفوذها التقليدي في عواصم الساحل. إن فرنسا تدرك أن الخروج العسكري المباشر لا يلغي أهمية تشاد في معادلة التوازنات الإفريقية، كما تدرك أن خسارة نجامينا بصورة كاملة ستعني تراجعا إضافيا في قدرتها على التأثير في منطقة تربط شمال إفريقيا بوسطها وغربها. ومن ثم، قد تتحول أدوات التدريب والتعاون التقني والتنسيق الأمني إلى بدائل عن الوجود العسكري التقليدي، بما يسمح لباريس بالحفاظ على قنوات اتصال وتأثير من دون العودة بالضرورة إلى صيغة الانتشار السابقة. لكن بالنسبة إلى الجزائر، فإن أي عودة فرنسية إلى المجال التشادي تستدعي قراءة دقيقة، خصوصا إذا تزامنت مع توترات حدودية بين النيجر وتشاد، ومع تحركات عسكرية في مناطق قريبة من مداما.
حفتر: الذراع المسلحة التي تربط الجغرافيا بالحروب
إذا كانت الإمارات وإسرائيل وفرنسا تمثل مستويات مختلفة من النفوذ السياسي واللوجستي والتقني، فإن خليفة حفتر، وتحديدا نجله صدام، يمثلان الامتداد العسكري الميداني الأكثر التصاقا بالجغرافيا. فقد كثف صدام حفتر اتصالاته مع نجامينا، في مسعى لتأمين الحدود المشتركة وتعزيز التنسيق في فضاء تتشابك فيه المصالح الليبية والتشادية والسودانية. وتنتشر قوات حفتر في مواقع ذات أهمية استراتيجية، من بينها موقع التوم في مثلث سالفادور، وقاعدة الوغ التي تبعد نحو 263 كيلومتراً عن مداما، فضلاً عن مناطق مثلث فزان. وتكمن أهمية هذه المواقع في إشرافها على طرق العبور التي تربط ليبيا بالنيجر وتشاد، وهي طرق لا تؤدي وظيفة جغرافية فحسب، بل تتحكم في حركة الأفراد والإمدادات والمعدات، وتؤثر في قدرة الأطراف المختلفة على الانتشار والتحرك عبر الصحراء.
ووفق القراءة المنسوبة إلى مجموعة الأزمات الدولية، في أكتوبر 2026، فإن التقاطع بين حفتر والإمارات وتشاد يساهم في ربط مسارح الصراع الليبي والسوداني بمجال الساحل، بما ينتج شبكة نفوذ تتجاوز الحدود الوطنية وتعيد تشكيل طبيعة الصراعات المحلية. وهنا تبرز خطورة حفتر بالنسبة إلى الحسابات الجزائرية. فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود قوات ليبية على مقربة من الحدود، وإنما بقدرة هذه القوات على العمل ضمن منظومة علاقات وتحالفات أوسع، قد تجعل من التحركات العسكرية في فزان وتيبستي وشرق تشاد امتداداً لتوازنات إقليمية لا تتحكم الجزائر في مساراتها. إن الجغرافيا الصحراوية، في هذه الحالة، تتحول من حاجز طبيعي إلى ممر عملياتي، ومن حدود سيادية إلى فضاء تتداخل فيه شبكات النفوذ والإمداد والتمركز العسكري.
مداما: من نقطة انتشار إلى عقدة في الأمن القومي الجزائري
إن اهتمام الجزائر بمداما لا يمكن فهمه باعتباره مجرد رغبة في إقامة نقطة انتشار عسكري جديدة، أو تعزيز الحضور الحدودي في محيط النيجر. فالموقع يكتسب أهميته من طبيعة المجال الذي يشرف عليه، ومن قربه من مسارات الحركة العابرة للحدود، ومن اتصاله المباشر بمعادلات الأمن في ليبيا وتشاد والنيجر. لقد عملت الجزائر خلال سنة 2026 على بناء مثلث تعاون استراتيجي يجمع الجزائر ونيامي ونجامينا، مستفيدة من التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة. فعلى مستوى النيجر، سعت الجزائر إلى إعادة تنشيط العلاقات السياسية والطاقوية، مع الدفع بمشروعات التعاون المرتبطة بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء. وعلى مستوى تشاد، جاءت زيارة الرئيس محمد إدريس ديبي إلى الجزائر في بداية السنة، وما رافقها من توقيع نحو ثلاثين اتفاقية في مجالات الطاقة والمحروقات والأدوية والاتصالات، لتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الثنائي. ثم تواصلت الدينامية بزيارة الوزير الأول الجزائري إلى نجامينا في يونيو، ومهمة وزير الخارجية أحمد عطاف المكلف بمتابعة الملفات المشتركة في يوليو، وصولاً إلى اجتماعات مجلس الوزراء خلال أكتوبر.
كان الرهان الجزائري واضحا: بناء فضاء تعاون إقليمي يسمح بتأمين المصالح المشتركة، وتعزيز الحضور الاقتصادي، وتطويق مصادر التوتر، وإقامة شبكة علاقات سياسية تجعل من الجزائر شريكا لا غنى عنه في معادلات الأمن والتنمية بالمنطقة. غير أن المفارقة الاستراتيجية تظهر عندما يتبين أن الدولة التي تريد الجزائر التعاون معها، أي تشاد، توجد داخل شبكة علاقات تتقاطع فيها مصالح الإمارات وإسرائيل وحفتر وفرنسا، وهي أطراف ترى الجزائر أن بعض تحركاتها تمس مصالحها الحيوية أو تتعارض مع تصوراتها للأمن الإقليمي. وبذلك، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة دقيقة: لا تستطيع التخلي عن التعاون مع نجامينا، ولا يمكنها في الوقت ذاته تجاهل طبيعة الشبكات التي تنشط في محيطها وتستفيد من موقع تشاد الجغرافي والسياسي. إنها ليست مفارقة دبلوماسية عابرة، بل معضلة استراتيجية حقيقية.
حرب المسيّرات: حين تصبح السماء جزءا من معادلة الردع
تتضاعف حساسية مداما عندما ننتقل من مستوى التحالفات السياسية إلى مستوى القدرات العسكرية والتكنولوجية. فالمعطيات المتداولة بشأن وجود منظومات بانتسير، وطائرات أورلان-10 الروسية المرتبطة ببيئة الانتشار الحفترية في محيط قاعدة الوغ، تفتح الباب أمام تصور ميداني تتداخل فيه منظومات الدفاع الجوي والاستطلاع والمراقبة مع حركة القوات على الأرض. وفي المقابل، تبرز الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، ومن بينها MQ-9 ريبر، باعتبارها أحد العناصر التي قد تغير طبيعة التوازن العسكري في المجال الصحراوي، بالنظر إلى قدرتها على المراقبة والاستطلاع وتنفيذ المهام الجوية الممتدة. إن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الجزائر قبل أي تمركز في مداما ليس فقط ما إذا كانت تمتلك القدرة على الانتشار، بل ما إذا كانت قادرة على العمل داخل بيئة جوية واستخباراتية لا تتحكم وحدها في أدواتها.
فوجود منظومات استطلاع ومراقبة متقدمة، وتعدد الجهات المالكة لتقنيات الطائرات المسيّرة، وتشابك شبكات الدعم اللوجستي، كلها عوامل تجعل من المجال الجوي جزءا من معادلة الصراع، لا مجرد فضاء فوق القوات البرية. وعليه، فإن أي انتشار جزائري في مداما من دون تصور متكامل للبيئة الجوية والإلكترونية والاستخباراتية المحيطة بها قد يضع القوات الجزائرية أمام تحديات تتجاوز الحسابات التقليدية للتمركز والدفاع الحدودي. إن الصحراء لم تعد فضاءً مفتوحاً تتحكم فيه الجغرافيا وحدها؛ لقد أصبحت مجالاً للمراقبة المستمرة، وتنافس المستشعرات، وحروب المسيّرات، وتبادل المعلومات، والتأثير عن بعد.
الصراع الطاقوي: مداما قفل جغرافي على مستقبل إفريقيا
لكن اختزال التنافس حول مداما في البعد العسكري وحده سيكون خطأ استراتيجيا. فوراء التحركات الأمنية والعسكرية تختبئ معركة أخرى، أكثر عمقا واستدامة: معركة التحكم في الممرات الطاقوية وإعادة رسم خرائط تدفق الغاز الإفريقي نحو الأسواق الدولية. تراهن الجزائر على مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، المعروف اختصارا بـTSGP، باعتباره أحد أعمدة رؤيتها لتحويل موقعها الجغرافي ومواردها الطاقوية إلى رافعة استراتيجية تربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، وصولا إلى الأسواق الأوروبية. وفي المقابل، يبرز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الرابط بين نيجيريا والمغرب، باعتباره مشروعا منافسا يحمل أبعادا اقتصادية وجيوسياسية واسعة، وتثار بشأنه تساؤلات حول مصادر الدعم المالي المرتبطة بالإمارات. وبصرف النظر عن اختلاف المسارات ومستويات الإنجاز والتمويل، فإن التنافس بين المشروعين يعكس صراعاً على موقع إفريقيا في خريطة الطاقة العالمية، وعلى هوية الممرات التي ستتحكم في نقل موارد القارة إلى الأسواق الخارجية.
في هذا السياق، لا تبدو مداما مجرد نقطة عسكرية في الصحراء، بل موقعاً يكتسب وزنه من إشرافه على مجال جغرافي تتقاطع فيه خطوط الأمن والعبور والطاقة. فالتحكم في الممرات، وتأمين الحدود، والاستقرار السياسي، كلها شروط لا غنى عنها لأي مشروع طاقوي عابر للحدود. ومن هنا، يصبح التنافس على النفوذ في تشاد والنيجر وليبيا جزءاً من التنافس على البيئة الجيوسياسية التي ستتحرك داخلها المشاريع الطاقوية الكبرى. إن من ينجح في بناء شبكة علاقات مؤثرة في هذا المجال لن يمتلك بالضرورة أنبوب الغاز، لكنه قد يمتلك القدرة على التأثير في شروط عبوره وأمنه وجدواه الاستراتيجية. وهذا هو المعنى الأعمق لوصف مداما بأنها «قفل طاقوي»؛ فهي ليست نهاية الطريق ولا بدايته، لكنها تقع في مجال تتوقف عليه حسابات الاستقرار والتحكم في الممرات.
الجزائر أمام اختبار الوساطة: منع تحويل الحدود إلى جبهة بالوكالة
أمام هذه المعطيات، لا يبدو أن الخيار العسكري وحده كافٍ لحماية المصالح الجزائرية. بل إن التعويل المفرط على الانتشار الميداني، من دون معالجة الاختلالات السياسية والدبلوماسية المحيطة به، قد يحول مداما من أداة لتعزيز الأمن إلى نقطة استنزاف استراتيجي. فإذا تحركت الجزائر نحو تمركز عسكري في مداما، من دون معالجة التوتر بين نيامي ونجامينا، فإنها تخاطر بالعمل داخل بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة. وعلى المستوى الميداني، قد تجد نفسها أمام منظومات بانتسير وطائرات أورلان-10 في محيط الوغ، وشبكات لوجستية مرتبطة بأم جرس على الجناح الشرقي، وقدرات استطلاع جوي متقدمة في المجال المحيط، فضلاً عن اتهامات متبادلة بين النيجر وتشاد قابلة للتحول إلى مواجهة غير مباشرة. وهنا تكمن أخطر حلقات المعادلة: أن يتحول الخلاف الحدودي إلى حرب بالوكالة، وأن تصبح الأراضي التشادية والنيجرية مسرحاً لتصفية حسابات تتجاوز مصالح الدولتين نفسيهما. ولذلك، فإن الجزائر مطالبة بالتحرك على مسارين متوازيين: مسار أمني يحمي حدودها ومصالحها الحيوية، ومسار سياسي يعالج أسباب التوتر ويمنع تدويل الخلافات الثنائية. إن الوساطة بين نيامي ونجامينا ليست عملا دبلوماسيا تكميليا، بل ضرورة استراتيجية تسبق أي إعادة ترتيب للانتشار العسكري في المنطقة.
فالجزائر تملك رصيدا تاريخيا في الوساطات الإفريقية، وتملك علاقات سياسية مع الطرفين، كما تمتلك مصلحة مباشرة في منع تحول الحدود المشتركة إلى منطقة صراع مفتوح. غير أن قيمة الوساطة لا تقاس بعدد الاتصالات والبيانات، وإنما بقدرتها على إنتاج تفاهمات قابلة للاستمرار، تقوم على احترام السيادة، وتبادل المعلومات، والتحقيق المستقل في الحوادث الحدودية، وضبط حركة القوات، ومنع استخدام الأراضي الوطنية في أعمال تستهدف دول الجوار. ومن هنا، فإن المطالبة التشادية بتحقيق دولي مستقل في حادثة إيمي لولو ينبغي أن تقرأ ضمن ضرورة بناء آلية مشتركة لتقصي الحقائق، بعيداً عن منطق الاتهام المسبق والتوظيف السياسي. فكلما بقيت حقيقة الحادثة غامضة، ازدادت فرص تحويلها إلى ذريعة للتصعيد، وكلما تراجعت قنوات التواصل بين العاصمتين، اتسعت مساحة تدخل الأطراف الخارجية.
من أوكرانيا إلى الساحل: امتحان المصداقية الجزائرية
تتجاوز أهمية هذه الأزمة حدود النيجر وتشاد، بل تضع الدبلوماسية الجزائرية أمام امتحان يتعلق بقدرتها على ترجمة خطابها الداعي إلى الحلول السياسية والوساطة إلى نتائج ملموسة في محيطها المباشر. لقد سعت الجزائر إلى تقديم نفسها طرفا قادرا على المساهمة في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وعلى الدفاع عن منطق الحلول السياسية في النزاعات الدولية. غير أن التحدي الأكثر إلحاحا قد لا يكون بعيدا عن حدودها الشمالية والشرقية، بل على مسافة تقارب مائة كيلومتر من مداما، حيث تتشابك مصالح الدول وتتنازع شبكات النفوذ على الأرض والسماء والممرات. إن قدرة الجزائر على احتواء التوتر بين نيامي ونجامينا ستكون اختباراً حقيقياً لمصداقية سياستها الإفريقية، ولمدى قدرتها على الجمع بين القوة الدبلوماسية واليقظة الأمنية والرؤية الاقتصادية بعيدة المدى. ولا يتعلق الأمر بإثبات القدرة على فرض الحلول، بل بإثبات القدرة على منع الانزلاق نحو صراع لا يخدم سوى القوى التي تجد في هشاشة الحدود الإفريقية فرصة لتوسيع نفوذها.
لا يمكن تأمين مداما من دون تأمين نجامينا ونيامي
إن المشهد الاستراتيجي الذي يتشكل في تشاد ومحيطها يكشف أن التنافس في الساحل والصحراء لم يعد يدور حول قواعد عسكرية منفصلة أو اتفاقيات ثنائية محدودة، بل حول منظومات متكاملة من النفوذ، تتداخل فيها اللوجستيات الإماراتية، والامتدادات التقنية والأمنية الإسرائيلية، ومحاولات العودة الفرنسية، والحضور العسكري المرتبط بخليفة حفتر. وفي قلب هذه الشبكة تقف تشاد، بما تمتلكه من موقع جغرافي بالغ الحساسية، وبما توفره من ممرات تربط ليبيا والسودان والنيجر، وبما تتيحه من إمكانات للتأثير في مستقبل التوازنات الأمنية والطاقوية في القارة. أما الجزائر، فهي أمام خيار استراتيجي لا يحتمل التبسيط: إما أن تتعامل مع مداما باعتبارها نقطة انتشار عسكري، أو أن تنظر إليها بوصفها جزءاً من منظومة جيوسياسية متكاملة، لا يمكن تأمينها من دون فهم العلاقات التي تربط نجامينا بنيامي وطرابلس وأم جرس، ولا يمكن تحصينها من دون معالجة التنافس على الممرات الطاقوية وشبكات النفوذ الإقليمية.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى مداما، بل في منع تحولها إلى موقع محاصر بالتناقضات، وفي ضمان ألا يصبح الحضور الجزائري هناك جزءاً من لعبة توازنات يتحكم فيها الآخرون. فالحدود لا تحمى بالقوات وحدها، والممرات لا تؤمّن بالانتشار العسكري فقط، والنفوذ لا يُبنى بالاتفاقيات الثنائية ما لم تسنده رؤية إقليمية قادرة على احتواء التناقضات. مداما ليست مجرد قاعدة محتملة على تخوم الصحراء؛ إنها مرآة لصراع أوسع على مستقبل الساحل، ومفتاح لفهم العلاقة بين الأمن والطاقة والسيادة في إفريقيا. ومن لا يمتلك القدرة على إدارة نجامينا ونيامي دبلوماسياً، قد يجد نفسه عاجزاً عن تأمين مداما عسكريا. ذلك هو الدرس الاستراتيجي الأهم: في الساحل والصحراء، لا تكفي السيطرة على الجغرافيا إذا كان الآخرون يتحكمون في شبكات النفوذ التي تتحرك فوقها وتحتها.
