من أروقة معرض الكتاب إلى خرائط النفوذ: كيف تتحول الكلمة والصورة إلى أداتين في إعادة إنتاج شرعية القوة؟
تحليل سياسي وجيوسياسي بقلم د عبد الرحمن مكاوي- باريس
ليست كل الجيوش التي تتوسع في حضورها تفعل ذلك عبر الحدود، فثمة جيوش تدرك أن السيطرة على الجغرافيا، مهما بلغت أهميتها، تظل ناقصة ما لم تصحبها قدرة على التأثير في الوعي الذي يمنح تلك الجغرافيا معناها، وفي الذاكرة التي تفسر تاريخها، وفي السردية التي تحدد من يملك حق الحديث باسم الوطن. وعندما تغادر المؤسسة العسكرية ثكناتها لتتمدد في فضاءات الثقافة والمعرفة والرمز، فإن الأمر لا يعود مجرد مشاركة بروتوكولية في نشاط مدني، بل يصبح مدخلاً مشروعاً للتساؤل عن طبيعة التحول الذي يصيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القوة المادية والقوة الرمزية، وبين حماية الوطن وامتلاك روايته.
من هذه الزاوية تحديدا، تستحق المشاركة اللافتة للجيش الوطني الشعبي الجزائري في الدورة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب قراءة تتجاوز الوصف الاحتفالي إلى التفكيك السياسي والجيوسياسي. فالمسألة ليست في أن تعرض المؤسسة العسكرية كتبها أو وثائقها أو تراثها التاريخي؛ فهذا حق مشروع لأي مؤسسة وطنية. إنما تكمن المسألة في حجم الحضور، وطبيعة التموقع، والحمولة الرمزية للمكان، والتزامن الإعلامي، والرسائل التي يمكن استخلاصها من تجميع ست مؤسسات عسكرية داخل تظاهرة ثقافية يفترض أن تكون فضاء للتعدد الفكري والتنافس المعرفي وحرية التأويل. إننا، بعبارة أكثر مباشرة، أمام سؤال يتجاوز معرض الكتاب ذاته: هل تسعى المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى توسيع مجال حضورها من حراسة الحدود الترابية إلى الإشراف الرمزي على حدود الذاكرة الوطنية وصناعة المخيال السياسي؟
أولا: معرض الكتاب… حين تتحول الثقافة إلى جغرافيا للنفوذ
احتضن قصر المعارض بالصنوبر البحري، بين الثامن والعشرين من أكتوبر والسابع من نوفمبر 2026، الدورة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، تحت شعار «بين صفحات كتاب، المستقبل». وقد جمعت التظاهرة، وفق المعطيات المعلنة، 1567 دار نشر من 51 دولة، فيما حلت المملكة العربية السعودية ضيف شرف. إنها أرقام تعكس المكانة الثقافية والإشعاع الإقليمي اللذين بات يمثلهما هذا الموعد في الفضاءين العربي والإفريقي. غير أن المشهد الأكثر استدعاءً للتحليل لم يكن متعلقاً بحجم المشاركة الدولية ولا بتنوع الإصدارات، وإنما بالحضور المؤسسي المكثف للجيش الوطني الشعبي، الذي دخل المعرض عبر ست مؤسسات تابعة لوزارة الدفاع الوطني.
ويتعلق الأمر بمعهد التوثيق العسكري، ومعهد رسم الخرائط والاستشعار عن بعد، والمدرسة العليا العسكرية للإعلام والاتصال، والمركز الوطني للمنشورات العسكرية، والمتحف المركزي للجيش، ومركز دراسات التاريخ العسكري. هذا التجميع ليس تفصيلا تنظيميا. فالمؤسسات الست لا تمثل واجهات متشابهة، وإنما تغطي حقولا متكاملة لإنتاج المعرفة وإدارتها وتقديمها: التوثيق، والخريطة، والصورة، والاتصال، والنشر، والذاكرة التاريخية. وبذلك لا يقتصر حضور المؤسسة العسكرية على عرض تراثها أو التعريف بإنجازاتها، بل يمتد إلى تقديم صورة مركبة عن نفسها بوصفها منتجا للمعرفة، وحارسا للذاكرة، ومؤطرا للرؤية الاستراتيجية، وشريكا في تشكيل الوعي العام.
هنا تتبدى المفارقة: معرض الكتاب، الذي يفترض أن يكون مجالا مفتوحا تتجاور فيه الرؤى وتتصادم فيه الأفكار وتتعدد فيه القراءات، يصبح أيضا مسرحا لعرض القوة المؤسسية عبر أدوات الثقافة. إن الجيوسياسة المعاصرة لم تعد تنظر إلى المعارض والجامعات والمتاحف ومراكز النشر باعتبارها فضاءات محايدة تماما؛ فهي جميعاً جزء من البنية الرمزية التي تتنافس الدول والمؤسسات على التأثير فيها. ومن يمتلك القدرة على تنظيم تدفق المعلومات وصناعة الصور وتوجيه الذاكرة، يمتلك أحد أهم مفاتيح التأثير في المجال العام.
ثانيا: جناح فلسطين… استثمار الذاكرة المزدوجة وشرعنة الرأسمال الثوري
لعل أكثر عناصر هذه المشاركة إثارة للدلالة هو تموقع المؤسسات العسكرية في جناح فلسطين. ففلسطين في الوجدان السياسي الجزائري ليست قضية خارجية بالمعنى الدبلوماسي الضيق، ولا مجرد ملف من ملفات السياسة الدولية. إنها جزء من الذاكرة السياسية للدولة الجزائرية الحديثة، وامتداد رمزي لتجربة التحرر الوطني، ومرآة تستحضر من خلالها الجزائر تاريخها الاستعماري وثورتها التحريرية ومفهومها الخاص للسيادة. ومن ثم، فإن اختيار هذا الفضاء تحديدا يمنح الحضور العسكري حمولة رمزية مضاعفة. فالجيش يظهر، في هذا السياق، عند ملتقى ذاكرتين نضاليتين: ذاكرة الثورة الجزائرية وذاكرة المقاومة الفلسطينية. إنها معادلة بالغة الفاعلية من منظور صناعة الصورة: المؤسسة التي تستمد جزءاً من شرعيتها التاريخية من حرب التحرير تتموضع في فضاء يستحضر بدوره مقاومة الاحتلال، فتتداخل الرموز، وتتقاطع المرجعيات، وتُستدعى الذاكرة الثورية بوصفها رصيداً معنوياً حاضراً لا مجرد صفحة من الماضي. وهكذا يمكن أن تتحول فلسطين، من قضية تضامن تاريخي، إلى فضاء تتعزز فيه صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها حارسة للاستمرارية الوطنية والذاكرة التحررية.
وليس في الدفاع عن القضية الفلسطينية ما يستدعي المزايدة أو التشكيك؛ فذلك موقف متجذر في السياسة الجزائرية وفي وجدان قطاعات واسعة من المجتمع. لكن السؤال السياسي المشروع يبدأ عندما يصبح الرصيد الأخلاقي لقضية عادلة موردا إضافياً لتعزيز الحضور الرمزي لمؤسسة بعينها. فالذاكرة الوطنية ليست ملكية حصرية لأي جهاز من أجهزة الدولة، كما أن شرعية الثورة لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز سياسي دائم لا يقبل المساءلة أو إعادة القراءة. إن الثورة الجزائرية ملك للشعب الجزائري، بكل مكوناته وتضحياته وتياراته، وليست رأسمالا رمزيا قابلا للاحتكار المؤسسي. وفلسطين، بدورها، قضية شعب وحق وتاريخ، وليست مجرد خلفية مناسبة لتكريس صورة أي مؤسسة. وهنا يكمن الفرق بين صون الذاكرة وتوظيفها: الأول يفتح الماضي على المعرفة، والثاني قد يحوله إلى أداة لإغلاق النقاش في الحاضر.
ثالثا: تسخير الكلمة… من إنتاج المنشور إلى هندسة المعنى
إذا كانت الرمزية المكانية تشكل المدخل الأول لقراءة المشاركة العسكرية، فإن الإنتاج الفكري والإعلامي يشكل مدخلها الثاني. فالمركز الوطني للمنشورات العسكرية، والمدرسة العليا العسكرية للإعلام والاتصال، ومراكز التوثيق والدراسات، لا تعرض مجرد مطبوعات تقنية، وإنما تقدم منظومة متكاملة من أدوات إنتاج الخطاب وتداوله. وفي السياق نفسه، تعرض المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار «ANEP» نحو 700 عنوان، من بينها كتاب يحمل عنوان «ELNET: اللوبي الإسرائيلي في قلب السلطة الفرنسية». ويكتسب هذا العنوان دلالة سياسية في سياق معرض يتقاطع فيه الحضور العسكري مع القضية الفلسطينية ومع الخطاب المناهض للصهيونية. فهو يضع مسألة شبكات التأثير في الغرب، والعلاقات بين جماعات الضغط ومراكز القرار، ضمن دائرة الاهتمام الفكري والإعلامي. لكن القراءة الاستراتيجية للمشهد لا ينبغي أن تتوقف عند عنوان كتاب بعينه، بل عليها أن تتناول تقاطع ثلاثة مستويات: الذاكرة التحررية، والقضية الفلسطينية، ونقد شبكات النفوذ الخارجية.
إن اجتماع هذه المستويات يمكن أن ينتج سردية متماسكة تقوم على مركزية السيادة الوطنية، والحذر من الاختراق الخارجي، واستمرار العقيدة التحررية في مواجهة أشكال الهيمنة التقليدية والجديدة. وهنا يصبح الكتاب أداة تتجاوز وظيفته الثقافية المباشرة؛ إذ يتحول إلى حامل لتمثلات سياسية، ومصدر لتشكيل المواقف، ووسيط لإعادة ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج. وليس المقصود أن كل كتاب يصدر عن مؤسسة وطنية يمثل بالضرورة دعاية سياسية، أو أن كل تناول لشبكات الضغط الخارجية يدخل في باب التوجيه الأيديولوجي. وإنما المقصود أن تضافر هذه المضامين داخل مشهد مؤسسي واحد يمنحها قابلية للتأثير في تشكيل المجال الإدراكي العام. فالكلمة، في الصراعات المعاصرة، لم تعد مجرد وسيلة لوصف الواقع؛ إنها إحدى الوسائل التي يعاد بها إنتاج الواقع في وعي الجمهور. ومن هنا تكتسب مقولة «تسخير الكلمة» معناها السياسي: ليس بالضرورة عبر فرض خطاب واحد بصورة مباشرة، وإنما عبر ترجيح بعض المرجعيات، وتكثيف حضورها، وربطها بمصادر الشرعية التاريخية والمؤسسية.
رابعا: مجلة «استراتيجيا»… حين تغادر العقيدة العسكرية أسوار الثكنة
تكتمل هذه الصورة بحضور مجلة «استراتيجيا» في المعرض. فالمجلة العسكرية المتخصصة ليست مجرد منشور دوري، بل هي فضاء لصياغة المفاهيم الأمنية، وتداول التصورات الاستراتيجية، وتقديم قراءات المؤسسة العسكرية للبيئة الإقليمية والدولية. وعندما تنتقل هذه المجلة إلى فضاء معرض مفتوح للجمهور، فإنها تنقل معها جزءا من التفكير العسكري إلى المجال المدني، وتمنح الخطاب الاستراتيجي فرصة للظهور خارج قنواته التقليدية. إنها لحظة خروج الكلمة من الثكنة إلى المجتمع. وتكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية بسبب تزامنها مع التحذيرات والتحليلات التي قدمها الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني بشأن المثلث الجيوسياسي الذي يجمع تشاد والإمارات وإسرائيل، وما يثيره من تداعيات على المصالح الجزائرية في منطقة الساحل.
ولا يكفي هذا التزامن لإثبات وجود تنسيق بين الخطابين أو وجود خطة إعلامية موحدة، لكنه يضعنا أمام مشهد تتزايد فيه أهمية السردية الاستراتيجية في النقاش العام الجزائري. فالمسألة تتعلق بمن يعرّف التهديد، ومن يحدد مصادره، ومن يرسم خريطة المصالح الوطنية، ومن يمتلك سلطة تقديم القراءة الأكثر حضورا وتأثيرا للبيئة الإقليمية. وهنا يجب التمييز بين أمرين: أن تكون المؤسسة العسكرية طرفا في إنتاج المعرفة الاستراتيجية، وهو أمر طبيعي في الدولة الحديثة، وأن تصبح قراءتها للواقع المرجعية المهيمنة التي لا تجد إلى جانبها مساحة كافية للآراء المدنية المستقلة. إن قوة التفكير الاستراتيجي لا تقاس بمدى انسجامه مع الخطاب الرسمي، وإنما بقدرته على اختبار الفرضيات، ومناقشة البدائل، ومواجهة الوقائع حتى عندما لا توافق التوقعات المسبقة. فالعقيدة التي لا تقبل النقد تتحول إلى يقين مغلق، واليقين المغلق هو أحد أخطر أعداء التفكير الاستراتيجي.
خامسا: تسخير الصورة… ست واجهات عسكرية في قلب فضاء مدني
لا يقل توظيف الصورة أهمية عن توظيف الكلمة. فالمؤسسات الست، بما تمثله من خرائط عسكرية، ووثائق، ومتاحف، ومنشورات، وأدوات اتصال وتوثيق، تقدم للزائر صورة متعددة الأبعاد عن المؤسسة العسكرية.الخريطة تجسد المعرفة بالمجال والسيطرة على تفاصيله. والمتحف يستحضر عمق التاريخ واستمرارية الذاكرة. والمنشور يعكس القدرة على إنتاج المعرفة وتعميمها. ومؤسسات الإعلام والاتصال تقدم صورة الجيش الذي لا يكتفي بالفعل، بل يمتلك أدوات تفسير فعله وتقديمه للجمهور. إنها صورة قوة متكاملة، لا تُعرض عبر المعدات القتالية وحدها، وإنما عبر الرموز الثقافية والعلمية والتاريخية.
وهنا تبرز إحدى أهم آليات القوة الناعمة: تحويل المؤسسة من موضوع للحديث إلى مصدر للمعرفة، ومن جهاز أمني إلى فاعل ثقافي، ومن قوة تحمي المجال الوطني إلى مرجعية تقدم نفسها بوصفها قادرة على تفسيره. وفي هذا السياق، جاء وصف وكالة الأنباء الجزائرية، في تغطيتها بتاريخ 29 أكتوبر، للمشاركة العسكرية بأنها شهدت «إقبالا ملحوظا» هذه العبارة، على بساطتها، تؤدي وظيفة إعلامية واضحة: تقديم الحضور العسكري في صورة حدث ناجح يحظى باهتمام الجمهور. غير أن الإقبال، في ذاته، لا يثبت حجم التأثير الفكري، ولا يقيس درجة الاقتناع، ولا يسمح بالحديث عن إجماع شعبي حول الرسائل التي يحملها العرض.
فبين الصورة التي تنتجها المؤسسة، والصورة التي يتلقاها الجمهور، مسافة لا يمكن اختزالها في بيان إعلامي. أما المسألة الأكثر استدعاءً للتساؤل، فتتعلق بمدى التوازن في التغطية الإعلامية. ففي معرض يضم 1567 دار نشر من51 دولة، هل حصلت جميع مكونات المشهد الثقافي على مستوى مماثل من الحضور الإعلامي المتزامن؟ أم أن الواجهة العسكرية حظيت بامتياز في إبرازها، بما جعلها تتقدم على الحدث الثقافي الأوسع؟ إن هذا السؤال لا ينتقص من أهمية المشاركة العسكرية، وإنما يعيد النقاش إلى جوهر وظيفة الإعلام العام: هل يقدم التعدد الثقافي بتوازن، أم يعيد ترتيب المشهد وفق أولويات المؤسسات الأكثر قدرة على إنتاج الصورة وتوجيهها؟
سادسا: من شرعنة القوة إلى تطبيع حضورها المعرفي
يمكن، من خلال قراءة متقاطعة لهذه العناصر، استنتاج ثلاث حلقات مترابطة في مسار صناعة السردية.
الحلقة الأولى: تثبيت شرعية القوة.
وتتصل بالموقع التاريخي للمؤسسة العسكرية داخل الدولة الجزائرية، وبالرمزية الثورية التي تمنحها حضورا خاصا في المخيال الوطني، وبالآليات السياسية والمؤسساتية التي تحدد موقعها في منظومة الحكم. أما الحديث عن التصويت المغلق أو الإجراءات المؤسسية فيحتاج إلى تحديد الواقعة المقصودة وتوثيقها قبل اعتباره دليلا على آلية معينة لإنتاج الشرعية.
الحلقة الثانية: تطبيع صورة الجيش بوصفه منتجا للمعرفة.
وهنا يأتي معرض الكتاب بما يوفره من فضاء مدني، وجمهور واسع، وتنوع دولي، لعرض المؤسسة العسكرية باعتبارها منتجا للوثيقة والخريطة والتاريخ والفكر الاستراتيجي. إنها عملية انتقال من شرعية الفعل العسكري إلى شرعية الحضور المعرفي، أو بالأحرى محاولة الجمع بينهما في صورة واحدة.
الحلقة الثالثة: تهيئة المجال الإدراكي لتقبل خيارات السياسة الدفاعية.
وهذه الحلقة تتصل بالبيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الجزائر، ولا سيما منطقة الساحل، ومثلث الحدود مع ليبيا والنيجر وتشاد، وما يرتبط به من حسابات أمنية وجيوسياسية. وفي هذا السياق تبرز مداما باعتبارها نقطة حساسة في معادلة الأمن الحدودي والتوازنات الإقليمية.
إن الربط بين الذاكرة الوطنية والسياسة الدفاعية يمكن أن يتيح تقديم التحركات العسكرية باعتبارها امتدادا لوظيفة الحماية والسيادة. لكن لا يجوز الجزم بأن المشاركة في معرض الكتاب صُممت خصيصا لتبرير تمركز عسكري في مداما ما لم تظهر أدلة مباشرة على ذلك.ة الأدق أن نقول إن السردية الوطنية، عندما تتكثف حول مفاهيم الحماية والذاكرة والسيادة والتهديد الخارجي، قد توفر البيئة الرمزية التي تُفهم ضمنها القرارات الدفاعية وتُستقبل سياسيا. وهذا فارق أساسي بين تحليل الوظيفة السياسية للخطاب وادعاء وجود خطة خفية لا دليل عليها.
سابعا: القوة المادية والقوة السردية… هل تستطيع الصورة أن تعوض نقص القدرة؟
في عمق هذه القضية يبرز سؤال أكثر حساسية يتعلق بالعلاقة بين القوة العسكرية الحقيقية والقوة التي يجري تمثيلها إعلاميا. فالجزائر دولة ذات امتداد جغرافي واسع، وحدود برية شاسعة، وبيئة إقليمية شديدة الاضطراب. وأي سياسة دفاعية تتعلق بالفضاء الصحراوي، ولا سيما في المناطق القريبة من ليبيا والنيجر وتشاد، تحتاج إلى قدرات فعلية في الاستطلاع والمراقبة الجوية، والاستخبارات، والاتصالات، والنقل، والإمداد، والقدرة على الاستمرار العملياتي.
إن الصحراء لا تدار بالشعارات، ولا تؤمَّن بالخرائط المعروضة وحدها، ولا تحسم معادلاتها بالوفرة الإعلامية. فالمسافات، وطبيعة التضاريس، والتحديات اللوجستية، وتعدد الفاعلين المسلحين، كلها تفرض على أي جيش يسعى إلى حماية مصالحه أن يمتلك أدوات مادية متناسبة مع حجم طموحاته. ومن هنا يمكن طرح فرضية التعويض السردي: هل يؤدي تضخيم الحضور الإعلامي والثقافي للمؤسسة العسكرية أحيانا وظيفة تعويضية عندما تكون بعض عناصر القوة المادية أو القدرة على الإسقاط الإقليمي موضع ضغط أو تحدّ؟
إنها فرضية تستحق البحث، لكنها لا تصلح حكما جاهزا على قدرات الجيش الجزائري. فالمؤسسات العسكرية الكبرى في العالم تستثمر بدورها في المتاحف والنشر والتواصل الاستراتيجي والدبلوماسية العامة. ولا يعني امتلاكها لهذه الأدوات أنها تعاني ضعفا عملياتيا. المعيار الحقيقي هو التناسب بين القوة المعلنة والقوة القابلة للإثبات، وبين الطموح الاستراتيجي والإمكانات التي تضمن تحقيقه. فالجيش القوي لا يحتاج إلى أن يحوّل كل ظهور ثقافي إلى استعراض للقوة، مثلما لا يحتاج الجيش المحترف إلى أن يحتكر فضاء المعرفة حتى يثبت مكانته. والأهم من ذلك أن فائض الصورة لا يمكن أن يعوض عجزا في المعلومة، ولا أن يحل محل التفوق التقني، ولا أن يسد ثغرة في الإمداد، ولا أن يصنع رادعاً استراتيجيا من دون مقومات مادية.
ثامنا: الخطر الأكبر… أن تتحول الذاكرة إلى مؤسسة وأن تصبح الثقافة امتدادا للثكنة
إن أخطر ما يمكن أن تفضي إليه عسكرة المجال الرمزي ليس مجرد تضخم صورة الجيش في وسائل الإعلام، وإنما اختلال التوازن بين المؤسسات التي تنتج الوعي العام. فالمجتمع الذي يختزل ذاكرته في رواية واحدة يفقد تدريجياً قدرته على مساءلة تاريخه. والدولة التي تجعل مؤسسة واحدة مرجعاً مركزياً في تفسير الأمن والسيادة والماضي والمستقبل، تعرض تعددها الفكري لمخاطر التهميش.
إن الثقافة ليست امتدادا إداريا لأي جهاز، والجامعة ليست ملحقا بمؤسسة أمنية، والذاكرة الوطنية ليست أرشيفا مغلقا، والصحافة ليست مجرد مكبر صوت للرواية الرسمية. بل إن قوة الدولة الحديثة تكمن في قدرتها على الجمع بين مؤسسات قوية ومجتمع حر، وبين جيش محترف وفضاء فكري مستقل، وبين ذاكرة وطنية مشتركة وتعدد مشروع في قراءتها. ولذلك فإن المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه ليس عدد الأجنحة العسكرية في معرض الكتاب، وإنما طبيعة العلاقة التي تقيمها المؤسسة العسكرية مع المعرفة: هل تفتح أبوابها للباحثين؟ هل تتيح وثائقها للتاريخ النقدي؟ هل تقبل مناقشة تصوراتها الاستراتيجية؟ وهل تسمح بتعدد القراءات حول دورها وموقعها في الدولة؟ هذه الأسئلة هي التي تميز المؤسسة التي تنتج المعرفة عن المؤسسة التي تستخدم المعرفة لإنتاج صورتها.
من يحرس الحدود… ومن يملك حق كتابة التاريخ؟
إن مشاركة الجيش الوطني الشعبي في الدورة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب تطرح قضية أكبر من مجرد حضور مؤسسات عسكرية في تظاهرة ثقافية. إنها تفتح نافذة على تحولات العلاقة بين القوة والذاكرة، وبين المؤسسة العسكرية والمجال المدني، وبين إنتاج المعرفة وصناعة الشرعية. فمن جناح فلسطين، حيث تتقاطع الذاكرة التحررية الجزائرية مع الذاكرة الفلسطينية، إلى منشورات ANEP، مروراً بمجلة «استراتيجيا» ومؤسسات التوثيق والخرائط والمتاحف، تتشكل صورة مؤسسة تسعى إلى توسيع حضورها الرمزي والمعرفي، وتقديم نفسها ليس فقط بوصفها حامية للحدود، وإنما أيضا باعتبارها حارسة للذاكرة ومنتجة للمعرفة وفاعلا في تفسير البيئة الجيوسياسية.
لكن السيادة لا تكتمل باحتكار السلاح، كما لا تكتمل باحتكار السردية. فالذاكرة الجزائرية أوسع من أي مؤسسة، والثورة أكبر من أي جهاز، والهوية الوطنية لا يمكن أن تختزل في خطاب رسمي مهما بلغت قوته الرمزية. إن الجزائر التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل استقلال قرارها الوطني، تستحق فضاءً فكرياً يوازي ذلك الاستقلال، ويتيح لمؤسساتها أن تكون قوية من دون أن تكون فوق المساءلة، وأن تحمي الذاكرة من دون أن تحتكر تفسيرها. إن للجيش حقا مشروعا في أن ينشر، ويوثق، ويعرض تاريخه، ويشارك في التفكير الاستراتيجي. لكن للمجتمع أيضا حقا لا يقل مشروعية في أن يقرأ، ويناقش، ويختلف، ويعيد مساءلة الروايات التي تقدم إليه. فالجيوش تحرس حدود الأوطان، أما حدود الوعي فلا ينبغي أن يحرسها سوى العقل الحر.
ولعل الخلاصة الأعمق لما تكشفه هذه المشاركة أن معركة السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدور فقط حول من يملك الطائرة الأحدث، أو الرادار الأبعد مدى، أو القدرة الأكبر على الانتشار؛ بل تدور أيضا حول من يمتلك حق تعريف التهديد، وتفسير التاريخ، وتحديد معنى الوطن. غير أن الأمة التي تستبدل تعدد العقول بوحدة الرواية قد تكسب انضباط الصورة، لكنها تخسر ثراء الفكر. إن قوة الجزائر لا ينبغي أن تقاس بعدد الواجهات العسكرية التي تنتصب في معرض للكتاب، بل بقدرتها على بناء جيش قوي، ودولة متوازنة، ومجتمع لا يخشى السؤال، وثقافة لا ترتدي الزي العسكري كي تثبت وطنيتها. فالأوطان العظيمة لا تخشى تعدد رواياتها؛ لأنّها تعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى حراسة دائمة، وأن الذاكرة التي لا تحتمل النقد تتحول من مصدر للقوة إلى عبء على المستقبل.
