العنصرية وأوروبا… من الغجر إلى السود

بقلم زكية لعروسي، باريس

هل العنصرية شر أبدي؟ سؤال يطل برأسه من كل زقاق مظلم في هذه القارة العجوز. في بودابست، حيث يصطف الغجر في صمتهم الثقيل، وفي باريس، حيث يجد النواب السود رسوما كاريكاتورية تسخر منهم بلهجة المستعمر القديم. كأن أوروبا، التي أنارت العالم بشموس عصر النهضة، لا تزال تحتفظ بظلالها الأولى.

في ساحة بلاحة لوزا، وقف لايوش فاركاش يغني أغنية غجرية. كان يوماً عالميا لهم، لكن القليلين حضروا. وفي الجمعية الوطنية الفرنسية، وصلت رسالة غريبة: صفحات من “تان تان في الكونغو”، مع تعليقات: “hgp:h f؟ فيه خير لنا بوانا”. القصة تتكرر، لكن الأبطال يتغيرون. الغجر في هنغاريا، السود في فرنسا، العرب والمسلمون في كل مكان.

في عام 2020، خرج النازيون الجدد في شوارع بودابست. صرخوا: “الغجر حثالة”. لم يتحرك أحد. قالت جوديت إغناتش، الناشطة الغجرية: “التقيت بهم في محطة مترو. نظرت حولي. كان الشر ممكنا”. ليس هذا فجأة. بين 2008 و2009، سلسلة هجمات استهدفت بيوت الغجر. قتل ستة، بينهم طفل في الثانية. مرتكبو الجرائم كانوا يتدربون على القنص. وفي المدارس، أطفال الغجر في صفوف منفصلة. في قرية تشاتاليا، قالت الأم ماريا: “قال المعلم عن ابني: هو غجري، لن يتعلم أبداً”. هذا هو الفصل العنصري، لكنه يسمى “تربية خاصة”. وفي السياسة، فيكتور أوربان يمد يده إلى اليمين المتطرف. الغجر يعرفون ماذا يعني ذلك. يتذكرون “الحرس الهنغاري” بالزي الأسود.

على الجانب الآخر من القارة، في باريس، وصلت رسالة إلى مجموعة نواب “فرنسا الأبية”. كانت تحمل صورا من “تان تان في الكونغو”، تلك التحفة الاستعمارية التي رسم فيها هيرجيه الأفارقة كأطفال ناطقين بـ”بونجو بوانا”. النواب السود: دانييل أوبونتو، ألي دياوارا، كارلوس مارتينز بيلونغ، ناديج أبو منغولي، وبيلي باكايوكو، عمدة سان دوني. كلهم وردت أسماؤهم في الرسالة. في بانيير دو بيغور، في أعالي البرانس، ظهرت كتابات عنصرية على الجدران.

هذه ليست مجرد رسالة. إنها استدعاء للتاريخ الاستعماري. إنها تقول: “أنتم لا تزالون في موقعكم القديم. أنتم الأطفال الذين كنا نربت على رؤوسهم”. تان تان في الكونغو صدرت عام 1931. بعد 95 عاما، لا تزال صورتها تصل إلى برلمان الجمهورية. يرى ابن سينا أن النفس البشرية تحمل استعدادا للشر والتمييز. هذه “النفس الأمارة بالسوء” تجد في الآخر المختلف فريسة سهلة. لكن ما يحدث في بودابست وباريس هو أكثر من مجرد غريزة. إنه نظام.

أرسطو، في “السياسة”، قال إن بعض البشر “عبيد بالفطرة”. هذا الفيلسوف الذي نعتز به، والذي ترجمه الفارابي وابن رشد، كان يبرر الرق والتمييز. واليوم، يبدو أن بعض الأوروبيين لم يقرؤوا أرسطو جيدا، أو قرأوه في الصفحات الخطأ. يقول المثل العربي: “الكل من آدم وآدم من تراب”. لكن تراب الغجر في  بوداپست مختلف. ترابهم نجس، بيوتهم تحترق. وتراب السود في باريس مختلف أيضا. ترابهم لا يزال يحمل رماد الاستعمار.

في هنغاريا، أوربان يستخدم الغجر كورقة انتخابية. في فرنسا، اليمين المتطرف يستخدم السود والعرب والمسلمين. الطريقة واحدة: اختر عدوا، ضخم التهديد، قدم نفسك كحام وحيد.

لكن الجديد أن العنصرية لم تعد حكرا على اليمين المتطرف. في هنغاريا، حزب “فيدس” اليميني المحافظ يتبناها. في فرنسا، أطراف يسارية أيضا تواجه اتهامات بالتسامح مع خطاب كراهية، كما حدث مع بعض نواب “فرنسا الأبية” أنفسهم عندما اتهموا بمعاداة السامية. المفارقة: الضحية يمكن أن تصبح جلادا في لحظة. يقول المثل التركي (المتداول في المغرب): “إبليس حكمه في الراس”. السياسي العنصري ليس أحمقا، بل حكيم شرير. يعرف أن الخوف أداة أقوى من الأمل. وأن الكراهية تجمع أكثر من المحبة.

هناك سحر أسود في هذه القصص. تان تان، ذلك المراسل الشاب ذو الخصلة الصفراء، مات في ألبوم عام 1976 عندما توقف هيرجيه عن الرسم. لكنه عاد من قبره في عام 2026 ليطرق باب الجمعية الوطنية الفرنسية. حروفه الاستعمارية نطقت: “LFI؟ فيه خير لنا بوانا”. هل هذه سخرية التاريخ؟ أم أنه التاريخ نفسه لا يموت؟ نعم، إنه يتحول إلى أشباح ترتدي ملابس جديدة. في بودابست، شبح “الحرس الهنغاري” يعود في شكل ميليشيات تطوف القرى. في باريس، شبح “تان تان في الكونغو” يعود في ظرف بريدي.

هذا ليس خيالا. إنها واقع يومي. الفلسفة الألمانية (هيغل) قالت إن التاريخ يعيد نفسه. لكن ماركس أضاف: المرة الأولى مأساة، والثانية مهزلة. هنا، في برلمان الجمهورية الفرنسية، المأساة والمهزلة يتزاوران. ربما. لكن “الأبدي” في الفلسفة ليس معناه “الطبيعي” أو “المحتوم”. إيمانويل ليفيناس، الفيلسوف الفرنسي، تحدث عن “وجه الآخر” كأساس للأخلاق. عندما ننظر في وجه الإنسان الآخر، أي إنسان، نرى انعكاسا لوجوب عدم قتله. لكن ماذا لو رفضنا النظر إلى الوجه؟ ماذا لو رأينا فقط لون البشرة أو الأصل أو الدين؟ هنا يكمن الشر.

في التراث العربي الإسلامي، نجد نموذجا معقدا. القرآن يقول: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”. لكن في الوقت نفسه، التراث العربي فيه نزعة عنصرية عربية-شعوبية. الجاحظ وصف الأجناس بأوصاف فيها تحيز. وابن خلدون تحدث عن “الرق” كحالة طبيعية لبعض الأجناس. لسنا برآء. العنصرية ليست اختراعا غربيا. هي قدرة إنسانية عامة. الفارق أن الغرب، بقوته الاستعمارية، جعل عنصريته مسلحة ومؤسساتية.

في بودابست، الغجر ينتظرون انتخابات الأحد. يقولون: “سواء فاز أوربان أو خسر، الكراهية باقية”. في باريس، النواب السود يرفعون قضايا أمام القضاء. يقولون: “نريد أن نعرف من أرسل هذه الرسالة”. لكن السؤال الأعمق: هل سيتغير شيء بعد المحاكمة؟ أم أن الرسالة التالية ستأتي من عنوان آخر؟ يقول المثل المغربي: “الكلاب تنبح والقافلة تسير”. العنصرية ستنبح دائما. لكن السؤال: هل سنبقى سائرين؟ أم سنتوقف، ننظر في وجوه بعضنا، ونعترف أن الظل جزء منا جميعا؟

العنصرية ليست قدرا محتوما. هي اختيار. يفعله السياسي الذي يريد كرسيا. يفعله المعلم الذي لا يريد أن يتعب. يفعله الجيران الذين يصمتون. ويفعله أيضا الضحايا حين يتحولون إلى جلادين في قصة أخرى. ربما خلاصنا ليس في انتظار زوال الشر الأبدي. بل في بناء ثقافة تدرك أن الاختلاف ليس تهديدا، بل إثراء. ثقافة تعلّم أبناءها، كما علمتنا الحكمة العربية القديمة: “الناس سواسية كأسنان المشط”. لكن المشط، للأسف، لا يزال في يد من يريد التفريق. في باريس وبودابست، في تشاتاليا وسان دوني، الليل لا يزال طويلا. لكن الفلاسفة يقولون: الفجر ليس غيبيات، بل قرار. وسنقرره. يوما ما.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “العنصرية وأوروبا… من الغجر إلى السود

  1. العنصرية صناعة الغرب الاستعماري. ولما اصطدم بالإنسان غيرـ ه، ذاك الكائن الذي تعرضت أرضه الاستغلال وثقافته للمحو، صنفه خارج ما تمثله الغرب تحضرا، ليتماسف مع باقي شعوب ما وراء البحار، مصنفات أياها على أنها كاءنات متناهية مع لون جلدتها ، ومن ثمة كانت العنصرية علامة على همجية الانسان ضد أشباهه. وكتب الانثروبولوجيا والتكنولوجيا شاهدة على
    “فعلة “الغرب الاستعماري ، ولها امتدادات إلى الآن. هذا على الرغم من الاصوات المنيرة التي فضحت أبعاد تلك السردية التي قامت عليها كثير من تلك الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *