فجوة التمثيل النسائي في المسارات العلمية

بقلم زكية لعروسي، باريس

عندما يعلن باتريك مارتن، رئيس حزب أرباب العمل الفرنسي (MEDEF) أن نقص الفتيات في المسارات العلمية يشكّل “ضرا حقيقيا لفرنسا”، فإنه يلمس جرحا غائرا في جسد الجمهورية الأوروبية. ففي فرنسا، لا تتجاوز نسبة الطالبات في كليات الهندسة 28%، بينما في المغرب، البلد الذي يفصله عن باريس عرض البحر الأبيض المتوسط فقط، تبلغ النسبة 42.2%، وفقا لأحدث بيانات اليونسكو. هذا الرقم يضع المملكة المغربية في مصاف الدول الرائدة عالميا في مجال تعليم الفتيات علوم الهندسة، متقدمة على ألمانيا والولايات المتحدة وكندا.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقلق: هل يعني هذا التفوق الكمي نهاية التحدي؟ أم أننا أمام مسرحية عبثية جديدة، حيث يتفوق الجسد على العجز، لكن الروح تبقى أسيرة الأغلال؟ الفتيات أقل عقلا؟… أسطورة أرسطو التي سقطت في الرباط لنكن واضحين,قارئي الكريم,: الجدل حول “نقص العقل” الأنثوي هو من مخلفات فلسفة يونانية بالية، عززتها لاهوتات وسياقات اجتماعية مختلة. أرسطو نفسه، ذلك العقل الذي أنار الغرب، كان يرى أن الأنثى “ذكر ناقص” . هذا التراث المسموم تسللت سمومه إلى الثقافتين العربية والأوروبية عبر قرون من التفسيرات الذكورية للنصوص.

الأرقام المغربية تدق إسفينا في نعش هذه الأسطورة: عندما تتاح للفتاة المغربية بيئة تعليمية محايدة، ونظام امتحانات مركزي يعتمد على الجدارة فقط، فإنها تتفوق. الباحثات في جامعة القاضي عياض بمراكش يؤكدن أن المستوى في المواد العلمية بالمدارس العمومية المغربية “جيد”، بل إن أفضل الطلاب، بنين وبنات، يتجهون نحو الطب والهندسة بوصفها “مسار النخبة”. هنا تكمن المفارقة الأولى: في بلد مثل فرنسا، حيث الحقوق “النسوية” تبدو أكثر تقدما، تعيش الفتيات “مفارقة الحرية”: كلما زادت الخيارات الفردية (اختيار التخصص بناء على الشغف الشخصي)، زادت الصور النمطية التي تدفع الفتيات بعيدا عن الفيزياء والرياضيات نحو الآداب والعلوم الإنسانية.

أما في المغرب، فالواقع الاقتصادي القاسي والرغبة في المكانة الاجتماعية يلعبان دورا معادلا: دراسة الهندسة تعني وظيفة مرموقة وأجورا أفضل. الفتاة المغربية، مثل نظيرتها في تونس أو الإمارات، تختار ستيم ليس فقط “لأنها تحب”، بل لأنها “وسيلة للتحرر المالي والاجتماعي”. كما لخصت ذلك كينزا مولودي، الطالبة في مدرسة “سنترال كازابلانكا”: “في المجتمع المغربي، المرأة المهندسة محترمة… خبرتي سيعترف بها، إنه مرض اجتماعي”. :

إذا كانت فرنسا تعاني من “خصاص” في الإنتاج الكمي (قلة أعداد المهندسات)، فإن المغرب يعاني من “غياب” نوعي: أين تختفي هذه الـ 42% بعد التخرج؟ هنا تكشف الإحصائيات فضيحة كبرى. بينما تشكل المرأة المغربية أكثر من 50% من طلبة التعليم العالي، لا تتجاوز نسبتها في سوق العمل الشكلي 18% فقط. إنها “فجوة التسرب”: أعداد كبيرة تخرج من الجامعات بحقيبة مليئة بالشهادات الهندسية، ثم تختفي في غياهب البطالة، أو العمل غير الرسمي، أو الزواج القسري على التقاليد. تعاني القيادات النسائية في قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بالمغرب من  “سقف زجاجي” سميك. الدكتورة صوفيا غاشم، رئيسة شبكة “ النساء في المغرب”، تصف الواقع بمرارة: “المواهب النسائية موجودة، لكنها لا تزال غير مرئية… غير مرتبطة بشكل كاف,، ونادرا ما يتم وضعها في مواقع اتخاذ القرار”.

هذا يتوافق مع التحليل العالمي لليونسكو: حتى في الدول التي تتفوق فيها الفتيات في التعليم، تظل نسبة الباحثات في المجال التقني لا تتجاوز 29% عالميا. الفجوة لا تظهر عند الامتحان، بل تظهر عند “الحمل الأول”، أو عند “ترقية المدير”، أو عند “الثقة في الكفاءة”. ” لنستعر مفاهيم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حول “العقل التواصلي”: المجتمعات التي تنجح في تحويل التعليم إلى “فعل تواصل” حر ينتج نسيجا اجتماعيا متماسكا هي التي تزدهر. فرنسا تعاني من أزمة في “التمثيل الرمزي”: الصورة النمطية للمهندس (ذكر، يرتدي خوذة) لا تزال قوية في اللاوعي الجمعي. أما المغرب فيعاني من أزمة “التنفيذ الواقعي”: التعليم النظري (الذي تتفوق فيه الفتيات) يصطدم بواقع أبوي جامد. حفصة المرشاني، الحاصلة على جائزة أفضل طالب مهندس مغاربي، تعترف بفضل أمها “المقاتلة” التي شجعتها، لكنها تدرك أن العقبة القادمة هي “الضغوط العائلية وأعباء الأمومة”.

المجتمع المغربي يظهر “عبقرية متناقضة”: يستثمر في تعليم البنات ليكن “سندا” للمستقبل (ممرضات، مهندسات، طبيبات)، لكنه يرفض منحهن “السلطة” أو “الاستقلالية” الكاملة لاحقا. إنه يعلم الفتاة كيف تفكك معادلة تفاضلية معقدة، لكنه يرفض أن تفك قيود الموروث الاجتماعي. لا يمكن لفرنسا أن تحل مشكلتها باستيراد النموذج المغربي، لأن المغرب نفسه لم يحل مشكلته بعد. النموذجان يمثلان وجهين لعملة واحدة من الظلم:

1- فرنسا: تعاني من “جفاف في البذور” (قلة الراغبات في دخول المجال)

2-المغرب: يعاني من “فساد في الثمار” (هدر الكفاءات بعد تخرجها)

في غياب العدالة الاقتصادية الحقيقية، وإعادة توزيع الأدوار الأسرية، وتفكيك البنى الأبوية في العمل، ستبقى أدمغة النساء المهندسات إما حبيسة “الحرية السلبية” في الغرب (حرية عدم الاختيار)، أو حبيسة “الغرف الخلفية” في الشرق (مكان العمل غير اللائق). إن تسليط الضوء على “ضرر فرنسا” دون النظر إلى “هدر المغرب” هو مثل علاج الأعراض وتجاهل الوباء. الفتيات لسن أقل عقلا، ولكن المجتمعات لا تزال أقل عدلا. وما لم يتغير وعي المؤسسة (الشركة) والموقد (البيت)، فستظل النسبة 42% مجرد رقم في قائمة اليونسكو، لا روح في جسد التنمية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *