بقلم زكية لعروسي – باريس
في البراري التي تسبق التاريخ وتنجو منه، حيث لا تزال الطبيعة تكتب دساتيرها بأنياب الأفاعي وأجنحة النسور، يعيش الغرير العسل بوصفه فضيحة بيولوجية في وجه المنطق. كائن صغير الحجم، لكنه يتصرف كما لو أن الكون مدين له بالانتصار. يدخل إلى أعشاش النحل كما تدخل الإمبراطوريات إلى خرائط الآخرين، ويخرج مثقلا باللسعات لا بالهزائم. كأن جسده وقّع منذ ولادته معاهدة سرية مع الألم: أن يزوره متى شاء، لكنه لن يقيم فيه. وفي الجهة الأخرى من الحكاية، يقف القنفذ الناري؛ ذلك الكائن المتخيَّل الذي يشبه الأمم المحاصرة أكثر مما يشبه الحيوانات. يحمل دفاعه على ظهره، لكنه يدفع ثمن الدفاع من لحمه نفسه. ينجو، نعم، لكنه ينجو محترقا. يربح المعركة ويخسر شيئا من روحه في كلّ مرة.

وبين الغرير والقنفذ، تمتد قاعة مجلس الأمن كأنها نسخة حضرية من السافانا الكبرى؛ غير أن الحيوانات هنا ترتدي البذلات الرسمية، وتستبدل الأنياب بالمذكرات الدبلوماسية، والسموم بعبارات القلق العميق. هناك، في ذلك المسرح الرخامي الذي تتكلم فيه الدول كما تتكلم الآلهة المتعبة، القوة فيه ليست بعدد الدبّابات ولا بحجم الاقتصادات فقط، بل بمقدار المناعة التي طوّرتها الدول ضد وخز الضمير العالمي. فالسياسة الحديثة ليست فنّ الحكم كما ظن أرسطو، ولا هي إدارة المصالح كما تصوّر مكيافيلي. إنها، في جوهرها الخفي، علم المناعات الجماعية.
كل قوّة عظمى تمتلك جهازا مناعيا خاصا بها. مناعة ضد الإدانة. مناعة ضد التناقض. مناعة ضدّ الذاكرة. ومناعة، أحيانا، ضدّ الحقيقة نفسها. تماما كما طوّر الغرير العسل مستقبلات عصبيّة تجعل السّم عاجزا عن الوصول إلى قلبه، طوّرت الدول الكبرى مستقبلات سياسية تجعل الاحتجاجات عاجزة عن الوصول إلى قراراتها. تسقط الكلمات عليها كما يسقط المطر على صخرة قديمة. تمرّ القرارات الدولية عبرها كما تمرّ الرياح في صحراء لا تتذكر أسماء العابرين. ولهذا تبدو بعض الجلسات الأممية أشبه بطقوس ميتافيزيقية لاجتماع كهنة حول نار لا يملكون إطفاءها.
يتحدث الجميع عن السلام. ويستعد الجميع للحرب. يتحدث الجميع عن القانون. ويبحث الجميع عن الاستثناء. يتحدث الجميع عن الإنسان. بينما الإنسان الحقيقي يجلس بعيدا عن الميكروفونات، تحت الأنقاض أو خلف الحدود أو داخل خيمة لا تعرف شيئا عن البلاغات الرسمية. وهنا تكمن المفارقة التي كان دوستويفسكي سيبتسم لها بحزن. فالإنسان الذي كتب عنه الروايات لم يعد مركز السياسة، بل أصبح هامشها. أما المركز فقد احتلّته الغرائز القديمة نفسها: الخوف، البقاء، الهيمنة، والرغبة الأزلية في أن يكون الألم من نصيب الآخرين.
ولعل أكثر ما يدهش في الجغرافيا السياسية المعاصرة أنها تشبه مختبرا عملاقا لتجارب الطبيعة. فالدّول الصغيرة تشبه النحل. تدافع بشراسة. تلسع أحيانا. لكنها تدفع ثمنا وجوديا لكل مواجهة. أما القوى الكبرى فتشبه الغرير العسل؛ تدخل مناطق الخطر بثقة من اعتاد النجاة، وتخرج وهي تحمل آثار المعركة لا نتائجها. وحين تتراكم المناعة، يتولد وهم خطير. وهم أن العواقب لم تعد موجودة. فالذي لا يخاف السم، يقترب أكثر من الأفعى. والذي لا يخاف الإدانة، يقترب أكثر من المغامرة. والذي لا يخاف التاريخ، قد يكتشف متأخرا أن التاريخ لا ينسى، بل يؤجل الحساب فقط. من هنا يصبح السؤال الجيوسياسي الأعظم في عصرنا: هل القوة هي القدرة على الفعل؟ أم القدرة على تحمل نتائج الفعل؟ أم القدرة على تجاهل النتائج أصلا؟

إن خرائط العالم اليوم لا تنقسم بين شرق وغرب، ولا بين شمال وجنوب. إنها تنقسم بين من يملك المناعة ومن يدفع الثمن. بين من يكتب الرواية ومن يعيشها. بين من يفسر الحريق ومن يحترق. وفي هذه اللحظة تحديدا، بينما تتقاطع الأزمات فوق خرائط أوروبا والشرق الأوسط، يبدو العالم كأنه يقف داخل متاهة فلسفية صممها هيراقليطس بنفسه. كل شيء يتحرك. كل شيء يتغير. لكن الغرائز القديمة تبقى كما هي. الأسماء تتبدل. الحدود تتبدل. التحالفات تتبدل. غير أن الخوف من الضعف، والشغف بالقوة، يواصلان إدارة المسرح من وراء الستار.
ولهذا فإن القضية ليست في الغرير ولا في القنفذ. وليست في القلعة ولا في الطائرة ولا في الجلسة الطارئة. القضية في الإنسان الذي اكتشف كيف يطوّر مناعة ضد كل شيء تقريباً، إلا ضد نفسه. لقد تعلّم كيف يقاوم السموم الكيميائية. وكيف ينجو من الأوبئة. وكيف يبني القلاع الرقمية والنووية. لكنه لم يتعلم بعد كيف يحمي روحه من التبلد الأخلاقي. وهذا هو السم الحقيقي الذي لا تتحدث عنه البيانات الرسمية. فحين يصبح الاعتياد على المأساة شكلا من أشكال المناعة، يتحول الخطر من حدث سياسي إلى حالة حضارية. عندها لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: ماذا بقي من الإنسان بعد كل هذا الانتصار؟
يبقى الغرير في براريه القديمة، والقنفذ وسط نيرانه، والنحل حول جراحه، بينما يواصل العالم اجتماعاته وخطبه وبياناته. ويبقى فوق الجميع سؤال واحد معلق بين السماء والأرض: هل السياسة علم لتنظيم القوة؟ أم فنّ لتبريرها؟ أم أنها، في أعماقها السحيقة، مجرد غريزة كونية ترتدي قناع الحكمة؟ ذلك سؤال لا تجيب عنه القاعات الدولية، ولا الفلاسفة، ولا الجنرالات. لأنه السؤال الذي يواجه فيه الإنسان صورته الأخيرة في المرآة، فيكتشف أن أخطر السّموم ليست تلك التي تخرج من أنياب الأفاعي، بل تلك التي تتسلل بصمت إلى الضمير حتى يعتادها. وحين يعتادها… يصبح العالم كلّه غريرا لا يشعر باللسعة.
📲 Partager sur WhatsApp
حق القوة في زمن سطوة القوة والتقنية، وانهيار القيم الأممية التي تتكلم لغة قوة الحق.