باريس وإسرائيل: من شهر العسل إلى زمن الشك

بقلم زكية لعروسي, باريس

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم تكن فرنسا مجرد شريك لإسرائيل، في السياسية، لا توجد صداقات دائمة… بل ذاكرة طويلة تخفي وراءها حسابات باردة. وما يبدو اليوم كبرودة غير مسبوقة بين إسرائيل وفرنسا ليس إلا فصلا جديدا من رواية قديمة، كتبت بالحبر الدبلوماسي، وأعيدت صياغتها مرات على وقع الحروب. بل كانت أقرب إلى “الراعي العسكري”، تمدّها بالسلاح، وتساهم في تشكيل ميزان القوى الإقليمي. لكن لحظة التحول الكبرى جاءت مع شارل ديغول عام 1967، حين قرر-ببرودة الجنرالات- فرض حظر على السلاح، ليعلن أن المصالح لا تعرف العاطفة. منذ تلك اللحظة، لم تعد العلاقة قصة تحالف، بل رقصة حذرة على حافة التناقض: دعم لحق إسرائيل في الأمن، مقابل دفاع مستمر عن الحقوق الفلسطينية. موقف يبدو، في ظاهره، أخلاقيا… لكنه في العمق هندسة دقيقة لتوازن مستحيل.

لفهم ما يحدث اليوم، يجب أن نخرج من وهم “التحالف” إلى واقع”التموضع”. فرنسا ليست قوة عظمى كما كانت، لكنها ترفض أن تكون هامشا. في الشرق الأوسط، تسعى إلى لعب دور “الوسيط العقلاني”، ذلك الكائن النادر الذي يريد أن يرضي الجميع… فلا يرضى عنه أحد. بالنسبة إلى إسرائيل، هذا التوازن يقرأ كـ”انحياز مقنّع”. فحين تدعو باريس إلى وقف إطلاق النار أو تنتقد العمليات العسكرية، لا تفسَّر كلماتها كدبلوماسية، بل كابتعاد عن الخط الغربي التقليدي. وهنا تبدأ البرودة: ليس لأن فرنسا تغيّرت جذريا، بل لأن إسرائيل لم تعد تقبل المنطقة الرمادية.

العالم اليوم أقل صبرا على التعقيد. الحرب في الشرق الأوسط لم تعد نزاعا إقليميا فقط، بل تحولت إلى مرآة لصراع عالمي على النفوذ والسرديات. في هذا السياق، موقف إيمانويل ماكرون يبدو كمن يحاول كتابة قصيدة وسط عاصفة: يدعو إلى التهدئة، يفتح قنوات مع لبنان، يحافظ على خطاب قانوني دولي… لكنه يصطدم بواقع لا يعترف إلا بلغة القوة. أما بنيامين نتنياهو، فيقود سياسة ترى في أي انتقاد تهديدا استراتيجيا، لا مجرد اختلاف في الرأي. لذلك، حين تقصى فرنسا من بعض المفاوضات، فالأمر ليس دبلوماسيا فقط…إنه إعادة رسم لمن يملك حق الكلام.

الإجابة المعقدة: نعم… ولا. نعم، لأن مستوى انعدام الثقة اليوم عميق، ولأن أدوات الضغط – من العقود الدفاعية إلى القنوات الدبلوماسية- تستخدم بوضوح أكبر. ولا، لأن التاريخ يذكّرنا أن ما حدث عام 1967 كان أكثر حدة من حيث القطيعة الاستراتيجية. الفرق أن أزمات الماضي كانت واضحة وصريحة، أما اليوم فهي أكثر ضبابية… وأكثر برودة.

لا يمكن فهم موقف فرنسا دون إدراك معضلتها الأساسية: تريد أن تكون صوت القانون الدولي, لكنها تحتاج إلى الحفاظ على تحالفاتها وتسعى إلى دور مستقل… في نظام لا يكافئ الاستقلال. هذه ليست دبلوماسية فقط، بل مأساة سياسية أنيقة. العلاقات بين الدول لا تموت، بل تدخل في سبات. وما نراه اليوم بين إسرائيل وفرنسا هي برودة لا تعني القطيعة..إنّها إعادة تشكيل.ففي عالم يزداد صخبا، قد تكون البرودة أحيانا شكلا من أشكال البقاء. لكن السؤال الذي يبقى معلقا، كنجمة بعيدة في سماء السياسة: هل تستطيع باريس أن تبقى “صوت التوازن”… في عالم لم يعد يؤمن إلا بالانحياز؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *