بقلم زكية لعروسي، باريس
في صحراء نيو مكسيكو الذهبية، حيث تلتهم الشمس ظلال الرجال وتلفح الرياح وجوه الصخور بغبار عمره ملايين السنين، خرج ويليام “نيل” مكاسلاند في صبيحة يوم لا يختلف عن غيره. كان يرتدي حذاء المشي لمسافات طويلة، ويحمل في جيبه مسدسا قديما و محفظة جلدية سوداء. ترك وراءه كل شيء: النظارات على طاولة السرير، الهواتف تشحن بصمت، الساعة تدق بلا صاحب. كأنه رجل قرر فجأة أن يتحول إلى شبح، أو أن الشبح كان ينتظره هناك، خلف كثبان الرمال، حيث تبدأ الأساطير ولا تنتهي. لم يعد الرجل البالغ من العمر ثمانية وستين عاما، الجنرال المتقاعد الذي قضى عمره بين الصواريخ والرادارات ووثائق تحمل أختاما حمراء كالدم. بعد أيام من بحث محموم، لم يعثر المحققون على جثة، ولا على أثر، ولا على رسالة وداع. فقط حذاءان اختفيا مع صاحبهما، وبندقية صامتة لم تطلق رصاصتها بعد. لكن مأساة مكاسلاند لم تكن إلا غلاف رواية بدأت فصولها قبل أربع سنوات، في عام 2022، حين بدأت عقول أمريكا الأكثر نفاذا في التساقط كأوراق الخريف من شجرة العلم المقدسة.
في مختبرات لوس ألاموس، حيث ولدت القنبلة الذرية في رحم صحراوي ملعون، اختفى اثنان من كبار الباحثين دون أن يتركا أثرا. في معمل الدفع النفاث التابع لناسا، حيث تصنع المركبات التي تلمس وجه المريخ، مات ثلاثة علماء دفعة واحدة، وكأن يدا خفية اختارتهم بعناية الجزار المتمرس الذي يعرف بالضبط أين يغرز السكين. وفي ماساتشوستس، حيث تعقد أروقة معهد التكنولوجيا أسرارا لا تكتب في الكتب، قتل الفيزيائي نونو لوريرو على يد زميل سابق، برصاصة واحدة في الصدر، خارج منزله في بوسطن، في ليلة ديسمبر الباردة. قالوا عنه خلاف شخصي، حسد أكاديمي عابر. لكن من يصدق أن عالم فيزياء نووية يموت بيد زميل “غار” في ليلة عادية، في زمن لا شيء فيه عادي؟ ثم كانت حادثة كارل جريل مير، عالم الفيزياء الفلكية الذي اكتشف أكثر من عشرين مجرة بعيدة، والذي أطلق عليه الرصاص أمام باب منزله في كاليفورنيا، في فبراير 2026. لم يسرق القاتل شيئا، ولم يترك بطاقة تعريف. فقط جثة بلا روح، وسؤال واحد يصرخ في الفراغ: لماذا؟

في واشنطن، حيث ينام السياسيون على وسائد من الأكاذيب ويستيقظون على قهوة ساخنة من الخوف، أطلقت لجنة الرقابة في مجلس النواب صفارة الإنذار. جيمس كومي، رئيس اللجنة، اعترف بصراحة قاتمة: “ظننت في البداية أنها نظرية مؤامرة مجنونة. لكن الآن… هناك شيء مريب يحدث هنا. هؤلاء الأشخاص، وهم في طليعة الأبحاث النووية، إما ماتوا أو اختفوا.”الـ FBI تحرك أخيرا، بعد أربع سنوات من الموت الصامت. قالوا إنهم ينسقون التحقيقات، وإنهم سيبحثون عن “روابط محتملة”. أما البنتاغون، فلم يعلق سوى بالصمت الثقيل المعتاد، ذلك الصمت الذي يملأ القاعات العسكرية كغاز الأعصاب، يقتل أي فضول قبل أن يولد. في المقابل، بدا الرئيس ترامب، الذي كان قبل أسابيع يلوح بوثائق الأجسام الطائرة المجهولة وكأنها حلوى في عيد ميلاد، مترددا هذه المرة. قال للصحفيين: “آمل أن تكون مجرد صدفة. لكننا سنعرف بحلول الأسبوع المقبل.” أما كريس رايت، وزير الطاقة، فحاول تهدئة الخواف: “لم نعثر بعد على أي شيء مقلق.” لكن نبرته كانت تشبه نغمة طبيب يقول لمريضه المصاب بحمى مجهولة المصدر: “لا تقلق، ربما يكون مجرد زكام.”
لكن الحقيقة، كما هي العادة، كانت مختبئة في منشور على فيسبوك، كتبته أرملة مكاسلاند بصوت خافت لكنه واضح كالجرس: “لقد تقاعد زوجي منذ أكثر من اثني عشر عاما. من المستبعد جدا أن يتم اختطافه لاستخراج أسرار قديمة جدا منه.” في هذه الجملة البسيطة، تكمن المفارقة الأعظم: إذا لم يكن الأمر جواسيس، وإذا لم تكن المؤامرة، وإذا لم يكن الرجال يموتون لأنهم يعرفون الكثير… فلماذا إذن يموتون؟ ربما لأنهم كانوا يعرفون شيئا آخر. شيء لا يتعلق بالأسلحة النووية أو الصواريخ العابرة للقارات. شيء عن الأجسام الطائرة المجهولة التي وعد ترامب بكشف ملفاتها، أو عن الطاقة المظلمة التي تملأ الكون بنسبة سبعين بالمئة، أو عن فيروس جديد لم يظهر بعد، أو عن حقيقة أن الرمال في نيو مكسيكو ليست مجرد رمال، بل قبور بلا شواهد.

كان هيجل يقول إن البومة تبدأ طيرانها عند الغسق. لكن في أمريكا اليوم، الغسق لا يأتي، بل هناك ظهيرة أبدية، شمس حارقة تذيب كل الظلال، فلا يبقى للرجل إلا أن يختفي فيها. العلماء يختفون واحدا تلو الآخر، مثل النجوم التي تنطفئ في سماء لا أحد يراقبها. لا أحد يعرف ما إذا كانت يد بشرية تقتلهم، أم يد القدر، أم يد شيء آخر لم يخطر ببال البشر بعد. لكن شيئا واحدا مؤكد: في زمن يتحول فيه كل شيء إلى سلعة، بما في ذلك المعرفة، فإن العقول المستنيرة لم تعد مجرد كنز، بل أصبحت أيضا هدفا. هدف لمن؟ هذا هو السؤال الذي لا يجرؤ أحد على الإجابة عليه.
وفي الصحراء، حيث اختفى الجنرال العجوز، لا تزال الرياح تعوي بحزن. تحمل معها حبات رمل ساخنة، وقصة لم تكتمل بعد، ووعدا بأن الحقيقة، مهما تأخرت، لا يمكن أن تبقى مدفونة إلى الأبد. لكن حتى ذلك الحين، تستمر القائمة في النمو: أحد عشر عالمًا، وأكثر من عشرة موت غامض، وأسئلة أكثر من النجوم في السماء. هل نحن أمام مؤامرة؟ أمام جريمة منظمة؟ أم أمام ظاهرة طبيعية جديدة، كالموت المفاجئ للعباقرة، مثلما تموت الحيتان على الشواطئ بلا سبب واضح؟ ربما الأجوبة مخبأة في نفس المكان الذي اختفى فيه الجنرال مكاسلاند. في تلك الصحراء الممتدة، حيث لا توجد طرق، وحيث كل خطوة هي مغامرة، وحيث ربما ينتظرنا السر الأكبر: أن العلم نفسه قد يصبح لعنة، وأن العبقرية قد تكلفك حياتك، وأن الحقيقة… قد تكون بالفعل في الخارج، لكنها لا تريد أن يعثر عليها أحد.
📲 Partager sur WhatsApp