حدائق السلام: لوحات سريالية للنزهة الأبدية

بقلم زكية لعروسي، باريس

هناك، على الحدود الهشة بين فرنسا وبلجيكا، حيث كانت الأرض تئن تحت وطأة ملايين الأقدام العسكرية وقذائف المدفعية التي لم تتوقف عن العويل بين عامي 1914 و1918، هناك- وبالتحديد في تييبفال (Thiepval) حيث سقط جنود ويلز في معركة السوم الدامية – هناك الآن مكان غريب، أشبه بكذبة جميلة قالها التاريخ لنفسه ليتحمل مرارة ذاكرته. إنه “حديقة السلام” (Jardin de la paix): ليس حديقة بالمعنى التقليدي للكلمة، حيث يجلس العشاق على مقاعد خشبية ويقطف الأطفال الزهور ببراءة. بل هو عمل أعمق وأكثر دهشة: مسار طبيعي يمتد على طول خط الجبهة القديم، يحول بقايا الخنادق إلى ممرات متعرجة، ويُكسى رماد الموتى بأوراق الشجر المتجددة.

لو عاد أرسطو إلى الحياة اليوم، ووقف في “حدائق السلام”، لأدرك فجأة أن نظريته “المحاكاة” (Mimesis) كانت ناقصة. كان الفيلسوف اليوناني يظن أن الفن يحاكي الطبيعة. لكن ما يراه هنا هو العكس الصارخ: الطبيعة تحاكي الفن، بل تحاكي أفظع ما أنتجه الفن الإنساني… مشاهد الحرب. لكنها تعيد إنتاجها بطريقة جديدة: حيث صار الخندق ممشى، وصارت القذيفة المدفونة مزهرية طبيعية للبراعم. اليونانيون القدماء عرفوا شيئا اسمه “الكاثارسيس” (التطهير) – تلك اللحظة التي يشاهد فيها المشاهد المأساة في المسرح فيبكي ثم يخرج مطهرا. لكن حدائق السلام تقدم كاثارسيسا من نوع مختلف: لا تشاهد المأساة، بل تمشي فوقها. كل خطوة تخطوها هي جنازة صامتة وولادة يومية في آن.

في التراث العربي الإسلامي، ثمة وصف أخّاذ للجنة: “فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”. حدائق السلام هي، بسخرية مذهلة، عكس ذلك تماما: فيها ما رأته العيون بوضوح… الدمار، وشهدته الآذان… أصوات الرصاص، وخطر على قلب البشر … الخوف والموت. لكن المدهش أنها تصبح، بفعل الزمن والإرادة الإنسانية، جنة ثانية: جنة تأسست فوق رماد جحيم سابق. العرب عرفوا منذ العصر العباسي مفهوم “البستان المدَوَّر”… تلك الحدائق المغلقة التي كانت رمزا للعزلة التأملية. لكن حدائق السلام مفتوحة، ممتدة، شأنها شأن الجروح التي لا تنغلق بسهولة. إنها ليست حديقة محصنة تفصلك عن العالم، بل هي العالم نفسه وقد قرر أن يشفى عبر الاعتراف بجروحه أمام الجميع.

لو كان سلفادور دالي حيا اليوم، لوجد في حدائق السلام مصدر إلهام لا ينضب. السريالية كانت دائما تهتم بتحويل الأشياء العادية إلى غير عادية: ساعة تذوب، سرطان برأس بشري، حرب تصبح حديقة. هناك سريالية خاصة في فكرة أن تزرع زهرة فوق حفرة قذيفة. أن تستمع إلى زقزقة العصافير حيث كان يسمع الجنود صفير الرصاص. أن يلتقي عاشقان عند شجرة نبتت من جثة جندي مجهول. وهذا ما عبرت عنه بالفعل رمزية الحديقة الويلزية في تييبفال: إنها تحيي ذكرى جنود ويلز الذين سقطوا في السوم ليس بنصب حجري بارد، بل بنسيج حي من النباتات التي تحتاج إلى من يسقيها ويعتني بها، وكأن رسالتهم كانت: “لا تبكوا علينا، بل ارعوا هذه الأرض التي متنا من أجلها”.

حين منحت جائزة “التزام المواطنين والتوعية” لهذا المشروع، كان الأمر يحمل إشارة سياسية لا تقل عمقا عن فكرة الحديقة ذاتها. فهذه الحدائق ليست مجرد “تجميل للذاكرة”، بقدر ما هي إعادة تعريف لمعنى “التراث”. التراث التقليدي هو: مبان, آثار، متاحف. لكن حدائق السلام تقول: التراث هو أيضا أسلوب في الحزن، وطريقة في التحول، وتقنية في تحويل السيئ إلى جميل دون أن ننسى أنه كان سيئا. في عصر يعود فيه القوميون و الشعبويون إلى استدعاء ذاكرة الحروب القديمة لتبرير العداوات الجديدة، تصبح حديقة تمتد من فرنسا إلى بلجيكا عملا سياسيا هائلا: إنها تذكرنا أن الحدود التي قاتلنا لرسمها بالدماء يمكن أن تصبح ممرات مشتركة نتنزه فيها معا.

من بين الفائزين الآخرين: ترميم أوبرا بودابست (مجددا، مبنى ضخم، أبهة)، تحويل مستودعات القطارات المهجورة في بولونيا إلى فضاءات إبداعية، مشروع قبرصي عن الموسيقيين التقليديين. أما حدائق السلام فقد فازت حيث لا توجد أبنية ولا موسيقى، فقط نباتات وذاكرة ومشاعر. هذا اختيار يحمل إشارة خفية: ربما تكون أوروبا، بعد كل هذه القرون، قد بدأت تفهم أن تراثها الحقيقي ليس في قصورها وكنائسها فقط، بل في قدرتها على تحويل جروحها العميقة إلى شيء يمكن أن نُريح عليه أعيننا ونحن نشرب القهوة في نهاية الأسبوع.

ننتهي المقال, قارئي العزيز, حيث بدأناه: على الحدود الفرنسية البلجيكية، في حدائق تييبفال. جندي ويلزي، مات عام 1916 وعمره تسعة عشر ربيعا، كان يحلم قبل موته بأيام قليلة برؤية سواحل بلاده الخضراء مجددا. هو لم ير ويلز مجددا، لكن عظامه ساهمت – دون أن يدري – في صنع قطعة صغيرة من ويلز في قلب فرنسا. في هذا الخلط الجغرافي، في هذا التداخل بين التربة والأجساد، بين جذور النباتات وعظام القتلى، بين دموع الزوار ومياه الأمطار… في كل هذا، تكمن “معجزة” حدائق السلام العادية الخارقة: إنها تثبت مرة واحدة وإلى الأبد أن الجمال ليس غائبا عن الألم، بل هو ابنه غير الشرعي، الذي كبر وأصبح أكثر حكمة من أبيه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حدائق السلام: لوحات سريالية للنزهة الأبدية

  1. أو حين تتكلم المأساة أثرا و بالأثر. ما فعله الإنسان بأشباهه وأغياره في آن، حدث وشهادة عبور على الأرض التي نحتها الخراب ةالدمار ورائحة الموت وقاموس الفقد والوحع
    الخطير في الأمر هو أن هذا الكائن الفاني، لم يدرك بعد ما ندمعنى الحرب وما معنى صناعة الموت؟ على الرغم من آثار ذاكرة الحرب والحوت التي قاربتها في علاقة بالسلام. ما بديبدا قرن جديد حتى تشتعل الحرب التحول إلى مختبر بفعالية آخر ما آفاق على يد موظفي صناعة الحرب من أدوات الدمار. …تلك هي المفارقة: التقني تنحاز عن هدفها/ ابتكار الحلول للتغلب على الطبيعة…. إذا بها تخرب كل شيء البشر والحجر والشجر والماء والهواء ومعنى الموت والحياة….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *