واشنطن: جهاز الخدمة السرية ترامب على المحك

بقلم زكية لعروسي، باريس

في خضم احتفال إعلامي صاخب، انقلب فندق “هيلتون” الفاخر في واشنطن، مساء السبت، إلى مسرح لأزمة أمنية مرعبة. بينما كان دونالد ترامب والنخبة السياسية الأمريكية يتعشون في “عشاء مراسلي البيت الأبيض” التقليدي، اقتحم شخص مسلح الحفلة، ليزرع الذعر في القلوب. ورغم أن النتيجة كانت تحت السيطرة – إجلاء الرئيس، وتحييد المهاجم – فإن شهادات الخبراء، التي ترسم صورة مقلقة لحماية رئاسية مترنحة، وقعت في فخ “ارتباك” غير متوقع.

كانت لحظة قاسية كالصاعقة في سماء دبلوماسية صافية. في مساء السبت، حوالي الساعة العاشرة، حاول كول توماس ألين (31 عاما)، المسلح ببندقية صيد ومسدس وعدة سكاكين، اقتحام مدخل الحفل. دوّت أعيرة نارية. أصيب عميل فيدرالي – أنقذته سترته الواقية من الرصاص – ولكن تم إيقاف الرجل قبل أن يتمكن من دخول القاعة التي كان الرئيس ترامب جالساً فيها، بلا مبالاة ظاهرية. وانبرى سؤال فوري، أكثر إلحاحا من صفارات الإنذار: هل فشلت “الخدمة السرية” (Secret Service)، رمز الفخر القومي في مجال الأمن، في مهمتها المقدسة للمرة الثالثة في أقل من عامين؟ لتوضيح الرؤية، لجأت الصحيفة إلى اثنين من أعمدة حماية الشخصيات البارزة الفرنسية سابقاً: جيل فوريجو (الرئيس الأسبق لدائرة حماية الشخصيات البارزة)، وجان بيير ديوت (الحارس الشخصي السابق لنيكولا ساركوزي).

على الورق، تبدو الحصيلة منقِذة: “الشخصية المحمية” لم تُصب. ومع ذلك، فإن المشهد كان غير قابل للتسامح بالنسبة لخبراء أمن مرهفي السمع. ففي الحال، أشار أحد الخبراء إلى “وقت رد فعل طويل جداً” من قبل العملاء المحيطين بدونالد ترامب. يقول جان بيير ديوت بمرارة: “عندما ترى الجميع يختفون تحت الطاولات، فهذا يعني أن هناك شيئاً ما يحدث. ولكن في تلك الأثناء، ظل الرئيس جالسا يتحدث مع منوم مغناطيسي”. بل وأكثر من ذلك – أو أسوأ – يتعجب الحارس الشخصي السابق من الغياب الصارخ لحقيبة “كيفلر” الواقية، وهي من الأساسيات. “هذا جنوني”، كما يصفها. ويتفق جيل فوريجو في الرأي، مشيرا إلى عملية إجلاء فوضوية حيث تم إخراج جيه دي فانس، نائب الرئيس، قبل رئيس الدولة. ويحاول فوريجو تقديم عذر نصف مقبول: “ترامب، لا يمكنك أن تمسكه من كم قميصه أو تجره”، معترفا بأن الرئيس، الذي يرغب في مشاهدة الأحداث، لم يُسهل بالتأكيد مهمة حراسه.

لكن ما يلفت العين الناقدة للخبراء هو تفصيل آخر: ثمانية عملاء يديرون ظهورهم للمهاجم، عاجزين عن مجاراة سرعة الاقتحام. “الخطة الدفاعية تعمل، لكن هناك نقطة ضعف هنا”، يعترف فوريجو. إذا كان بالإمكان التغاضي عن رد الفعل، فكيف يمكن تبرير مرحلة الإعداد؟ الفضائح الحقيقية ربما تكون قد حدثت قبل الحادث. كيف استطاع كول توماس ألين إدخال ترسانة كاملة إلى فندق يستضيف رئيس الولايات المتحدة؟

إجابة الخبراء قاطعة ولاذعة. يقول جيل فوريجو بصراحة: “لم يحصل أي تفتيش للحقائب أو المعدات التي تدخل إلى الفندق. هذا ما كنا سنفعله في فرنسا، وكان يجب أن يتم فعله”. ويضيف أن هذا الإهمال يصبح أخطر في بلد مثل أمريكا حيث “يمكن لأي شخص أن يتجول وهو مسلح”. ومع ذلك، يخفف الخبراء السابقون من مسؤولية الخدمة السرية بالإشارة إلى حقيقة لوجستية لا هوادة فيها. ففندق “هيلتون” بـ 1100 غرفة، وربما 1500 عميل محتمل، وموظفيه غير المرئيين، هو بمثابة منخل يكاد يكون من المستحيل إغلاقه تماما دون خصصته بالكامل. يقول فوريجو: “إذا كان لابد من إخلاء الفندق بالكامل، وتأمين الغرف، وتمشيطها بالكشف عن المتفجرات، فإن ميزانية الخدمة السرية ستنفجر”. لكنه يرى أن التنازل لا يمكن قبوله في نقطة واحدة: “نحن، لكنا قمنا بتفتيش الحقائب على الأقل”. ويضيف جان بيير ديوت: “بالطبع، لا يمكن تأمين الفندق بالكامل. هناك توصيلات يومية، ونادلين، وساقية… إذا لم يتم خصخصة الفندق، فمن الصعب جداً إدارته”. اعتراف يأتي، في سياقه، بمثابة لائحة اتهام ضد الرعونة الأمريكية.

في مواجهة الكارثة المتوقعة، ينقسم الخبيران حول التقييم النهائي. جيل فوريجو، البراغماتي، يخرج بنتيجة منقذة: “المهمة أنجزت. لم يصب أحد بأذى بالغ”. ويرى أنه، خلافا لمحاولة الاغتيال في بتلر بولاية بنسلفانيا في يوليو 2024 (حيث استقالت مديرة الخدمة السرية تحت وطأة الانتقادات)، لن تكون هناك عقوبات هذه المرة. “المهاجم لم يدخل القاعة، والإجلاء تم بنجاح”. أما جان بيير ديوت فكان أقل تسامحا بكثير. فالحادث، حسب رأيه، يكشف عن رذيلة أعمق، وهي غطرسة مؤسسية. يقول ببرود: “الخدمة السرية ربما تعتقد أنها الأفضل في العالم. أنا أشك في ذلك عندما أرى ما حدث”. ويقارن بين رد الفعل الأمريكي، المرتبك والجامد، والانضباط الفولاذي للأجهزة الفرنسية، التي “تعمل يوميا على السلوكيات الردعية” والإجلاء السريع.

فخلف الأضواء البراقة لحفل واشنطن، تختبئ حقيقة مثيرة للقلق: أمن رئيس الولايات المتحدة لم ينج إلا بفضل سوء تقدير مهاجم منفرد. “الأخطاء” واضحة وصارخة … غياب تفتيش الحقائب، سوء تحديد ممرات الإجلاء، نقص في معدات الحماية الأساسية. إذا كانت “الطريقة الفرنسية” لا تنقذ العالم، فإنها تقترح درسا بسيطا قد تفيد الخدمة السرية في تأمله: السمعة لا تغني عن الصرامة أبدا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *