بقلم زكية لعروسي, باريس
في قلب المورفان، حيث الضباب لا ينزل من السماء بل يصعد من ذاكرة الأشجار، افتُتح في المدينة متحفا يشبه اعترافا متأخرا للجمهورية الفرنسية بذائقتها السرّية. هناك، في شاطو شينو، البلدة التي أحبّها فرانسوا ميتيران كما يحبّ ناسك حجره الأخير، قامت “مدينة الهدايا”؛ لا كمخزن بروتوكولي لأشياء رؤساء العالم، بل كغابة من الرموز، تتجاور فيها السروج العربية، والأسود المحنطة، والأحذية الأميركية المطرّزة، والقصائد اليابانية المكتوبة بتراب هيروشيما، في مشهد يبدو كأن القرن العشرين كلّه قرّر أن يتحوّل إلى خزانة عجائب.
المتحف ليس عن ميتران وحده. إنه عن تلك اللحظة الغامضة التي تتحوّل فيها الهدية من مجرّد غرض إلى مرآة حضارية. فالعالم لا يقدّم لرئيس ما الأشياء التي يحتاجها، بل الأشياء التي يريد أن يرى من خلالها. ولهذا تبدو الهدايا هنا كأنها سيرة ذاتية للكوكب نفسه: ملوك النفط يرسلون ساعات مرصّعة بالأحجار الكريمة لأن الذهب لغتهم الوحيدة مع الخلود، بينما يرسل اليابانيون قصيدة مخلوطة برماد المأساة لأن الأمم الجريحة لا تعرف التعبير إلا بالشعر.

كم هو مبتذل ذلك الاختزال الأخلاقي الذي يحصر الهدايا السياسية في خانة الفساد وحدها. منذ عقود، اعتادت الصحافة الأوروبية أن تستدعي الهدايا كلما أرادت محاكمة رجل دولة: حقائب، ساعات، بدلات، علاقات ملتبسة، فضائح من زمن فرانسوا فييون إلى دومينيك دوفيل بان، حيث تحوّل كل شيء إلى قرينة اتهام، وكأن الهدية لا يمكن أن تكون سوى رشوة ترتدي ربطة عنق.
لكن متحف ميتران يقترح تأويلا آخر أكثر إنسانية وأشدّ تعقيدا: الهدية أيضا فنّ دبلوماسي، ولغة خفية بين الأمم، وشكل من أشكال الخيال السياسي. إن الأسد المحنّط ليس مجرد حيوان ميت، بل استعارة متوحشة عن إفريقيا وهي تحاول أن تُهدي قوتها الرمزية لرجل أوروبا. والقبعة الصوفية الصغيرة المحاكة لبيضة الإفطار ليست تفصيلا هزليا، بل ذروة الحنان الشعبي، حين تتجسد الجمهورية في بيضة دافئة على مائدة رئيس.
ثمة شيء سريالي في رؤية ميتران مرتديا، في إحدى اللوحات، هيئة “زعيم إفريقي” بألوان صارخة وأبهة قبلية. قد يسخر البعض من فجاجة الصورة، لكنها تكشف، بلا قصد، عن المسرح العاطفي للعلاقات الدولية في الثمانينيات؛ تلك المرحلة التي كانت فيها فرنسا لا تزال تمشي داخل أشباح إمبراطوريتها السابقة، فيما كانت إفريقيا تهدي باريس أقنعة الولاء والرهبة معا.
في هذا المتحف، تتجاور الكيتش مع الفخامة، والبراءة مع التواطؤ، والذوق الشعبي مع البذخ الملكي. وهذا بالضبط ما يمنحه سحره النادر. فالمتاحف الكبرى عادة تنظّف التاريخ قبل عرضه؛ تصقل الأشياء، وتخفي ارتباكها، وتمنحها وقارا مصطنعا. أما هنا، فإن الفوضى هي القيمة الجمالية نفسها. العالم يدخل القاعة كما هو: مبالغا، متناقضا، سخيفا أحيانا، وعظيما أحيانا أخرى.
لقد فهم ميتران، على ما يبدو، أن الهدايا ليست ملكا للرئيس بل للخيال العام. لذلك سلّمها إلى إقليم نيفير، كمن يعيد توزيع الرموز على الناس. كانت تلك حركة ذكية ضدّ الشبهة وضدّ النسيان معا. فهو لم يخف الهدايا في خزائن القصور، بل حوّلها إلى مادة للنظر والتأمل والضحك أيضا.
وربما هنا تكمن الوظيفة الحقيقية لهذا المتحف: أن يذكّرنا بأن السياسة ليست دائما سجلا جنائيا. أحيانا تكون أيضا مسرحا جماليا هائلا، تشارك فيه الشعوب عبر الهدايا، كما يشارك الرسامون عبر الألوان. فالعالم، مهما اشتدّت قسوته، لا يكفّ عن تبادل الرموز. والهدايا، حين تنقذ من لغة الفضائح، تستطيع أن تزهر مجددا كفنّ خالص، وكدليل على أن البشر – حتى في دهاليز السلطة- ما زالوا يعرفون كيف يعبّرون عن الدهشة.
📲 Partager sur WhatsApp
الهدية حسب “رأس الزبون ” كما يقال. و في نفس الوقت هي مرآة لثقافة صاحبها.
نص جميل اسنطاع أن يلامس هذه العلاقة بشكل سسيولوجي تاريخي نقدي. قراءتك للتاريخ لها نكهة خاصة.
الكيتش أو لما تعرض الأشياء فقط كصور مبتذلة وسطحية من حيث بعدها الجمالي. مصطلح اهتم به واحد من أكبر نقاد الأنظمة الشمولية وابتذال الأشياء في هذا الزمن الرديء، ميلان كونديرا.