بقلم زكية لعروسي, باريس
في قاعة مثقلة بأشباح البلاد، حيث تتدلّى من الجدران ذاكرة السجون أكثر مما تتدلّى صور القضاة، وقف عاطف نجيب، ابن العائلة التي حكمت سوريا كما يحكم الليلُ مدينة منكوبة، لا باعتباره رجلا فقط، بل باعتباره فصلا كاملا من كتاب الرعب السوري. لم يكن الرجل متهما وحسب؛ كان أشبه بأرشيفٍ حيّ لزمن اعتقد فيه الطغيان أن الدم يمكن أن يتحوّل إلى نظام حكم، وأن الخوف يصلح دستورا أبديا للأوطان.
إنّ محاكمة عاطف نجيب ليست حادثة قضائية فقط، بل لحظة نادرة في تاريخ الشرق العربي؛ لحظة تقف فيها الدولة أخيرا أمام مرآتها، بعد أن أمضت عقودا تكسّر كل المرايا كي لا ترى وجهها الحقيقي. في البدء كانت درعا. ولم تكن درعا مدينة فقط، بل كانت – كما المدن الكبرى في التاريخ – استعارة للكرامة حين تهان. هناك، في آذار 2011، كتب أطفال على الجدران ما يشبه النبوءة: الشعب يريد إسقاط النظام”. عبارة قصيرة، لكنها كانت كافية ليرتجف عرش كامل”. في التراث العربي، كانت الكلمة دائما أخطر من السيف. المتنبي خافه الملوك أكثر مما خافوا الجيوش، والحجاج بن يوسف كان يعرف أن القصيدة قد تشعل فتنة لا تطفئها الرماح. ولذلك لم ير النظام السوري في أولئك الأطفال أطفالا، بل رأى مستقبلا يتمرّد عليه. فجاء الردّ وحشيا، كأن السلطة كانت تنتقم من اللغة نفسها.

هنا يظهر عاطف نجيب. لم يكن مجرد ضابط أمن؛ كان تجسيدا للعقيدة الأمنية التي صاغتها الأنظمة الشمولية العربية منذ منتصف القرن العشرين: الدولة ليست وطنا، بل مزرعة خوف. والمواطن ليس إنسانا، بل مشتبه به إلى أن يثبت ولاؤه. تتهمه المحكمة بالتعذيب، والقتل، والاعتقال التعسفي، وبإدارة آلة قمع حوّلت أقبية درعا إلى ما يشبه جحيم دانتي، لكن بنسخة عربية تفوح منها رائحة الرطوبة والدم والحديد الصدئ. غير أنّ السؤال الأعمق ليس: ماذا فعل عاطف نجيب؟ بل: كيف يتحوّل الإنسان إلى موظف لدى الجحيم؟ هذا السؤال الذي حيّر الفلاسفة منذ محاكمات النازية. حنّا آرندت سمّت ذلك “تفاهة الشر”؛ حين يصبح القتل إجراء إداريا، ويصبح التعذيب بندا وظيفيا، ويغدو الجلاد مجرد موظف يوقّع أوراقه في نهاية الدوام ثم يعود إلى بيته لاحتساء الشاي.
في الأنظمة المغلقة، لا يولد الطغيان فجأة، بل يتسرّب ببطء إلى اللغة، إلى المدارس، إلى الخوف اليومي، حتى يصبح الاعتراض خيانة، والصمت حكمة، والنجاة شكلا من أشكال العبادة. لكنّ المحاكمة لا تتوقف عند عاطف نجيب وحده. ففي الظلّ يلوح اسم بشّار الأسد، الرئيس الهارب، والرجل الذي ورث الجمهورية كما تورث القلاع الإقطاعية. ومع اسمه يبرز سؤال العالم: لماذا يرفض فلاديمير بوتين تسليمه؟ لأنّ بوتين يعرف – ببرودة القيصر – أن تسليم بشار الأسد ليس مجرد إجراء قانوني، بل سابقة تاريخية خطيرة. إنها تعني أن الحاكم يمكن أن يسأل. وأنّ القوة ليست حصانة أبدية. وأنّ الطائرات التي قصفت المدن قد تجد نفسها يوما تحت ضوء المحكمة بدل ظلال القصور. روسيا لا تدافع عن بشار الأسد حبا فيه، فالإمبراطوريات لا تحبّ أحدا. إنها تدافع عن مبدأٍ أعمق: حماية فكرة السلطة المطلقة من الانهيار الأخلاقي. بوتين يدرك أن سقوط الأسد قضائيًا سيُقرأ في موسكو كما يُقرأ في دمشق: هل يمكن للتاريخ أن يطرق أبواب الكرملين أيضا؟

منذ روما القديمة، كان الطغاة يفهمون هذه الحقيقة. حين سقط نيرون، لم يكن الخوف على رجل واحد، بل على مفهوم الإمبراطورية نفسها. واليوم، تخشى موسكو أن يتحول تسليم الأسد إلى إعلانٍ عالمي بأن زمن الإفلات المطلق من العقاب بدأ يتصدّع. ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير الرهبة في هذه المحاكمة ليس السياسة، بل الزمن. ثلاثة عشر عاما من الحرب مرّت فوق سوريا كأنها طوفان توراتي. مدن تحولت إلى خرائب، وأمهات ينتظرن أبناءهن كما انتظرت نساء الأندلس السفن التي لم تعد، ومقابر تكاثرت حتى صار التراب السوري نفسه يبدو متعبا من كثرة الموتى. ثم، فجأة، يجلس أحد رجال النظام في قفص الاتهام. يا للمفارقة. كم يشبه المشهد بيت أبي العلاء المعري: “هذا ما جناه أبي عليَّ~~~~ وما جنيتُ على أحد”. فالنظام الذي بنى سلطته على الخوف انتهى أسيرا لذاكرته. والرجل الذي أراد أن يُخرس مدينة كاملة صار مضطرا أخيرا إلى الاستماع لشهاداتها. إنّ العدالة الانتقالية ليست انتقاما، كما يظن السذّج، بل محاولة يائسة لإعادة المعنى إلى العالم بعد أن تهشّم. إنها الطريقة التي تقول بها الشعوب لقتلاها: لم ننسَكم. ولجلاديهم: لن تكونوا آلهة بعد اليوم.
لكن سوريا، وهي تدخل هذا النفق القضائي الطويل، لا تحاكم أفرادا فقط؛ إنها تحاكم قرنا عربيا كاملا من الاستبداد، من الجمهوريات الوراثية، من أجهزة الأمن التي ابتلعت الدول كما تبتلع النار هشيم الحقول. ولعلّ السؤال الأخير، والأكثر قسوة، ليس إن كان عاطف نجيب سيُدان أم لا، بل: هل تستطيع المحاكم فعلا أن تحاكم الخراب؟ كيف يُقاس وزن مدينة مدمّرة في ميزان العدالة؟ كم سنة سجن تعادل طفلا مات تحت التعذيب؟ وأيُّ حكم يكفي لبلاد ضاعت منها أعمار كاملة؟ لهذا تبدو هذه المحاكمة أكبر من قاعة. إنها مواجهة بين الذاكرة والنسيان. بين الدولة كآلة قمع، والدولة كفكرة أخلاقية. بين سوريا التي عرفها السجّانون، وسوريا التي يحلم بها الناجون. ربما لن يكون أهم ما في المحاكمة هو الحكم القضائي نفسه، بل تلك اللحظة الرمزية النادرة التي يقف فيها الخوف – لأول مرة منذ عقود – داخل القفص.
📲 Partager sur WhatsApp