تايوان كعود ثقاب في مستودع العالم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في بكين، لم يكن اللقاء بين الرئيس الصيني والرئيس الأمريكي مجرد اجتماع سياسي عابر تلتقطه الكاميرات ثم يذوب في الأرشيف الأخبار. كان أشبه بلقاء أسطوري بين قوتين خرجتا من عمق التاريخ، قوة تؤمن بأنها عائدة لاسترداد مجدها الإمبراطوري، وأخرى تخشى لأول مرة منذ قرن أن يبهت وهجها فوق خرائط العالم. دخل ترامب الصين بعقلية التاجر الذي يعتقد أن كل شيء قابل للتفاوض، حتى الجبال والبحار والعقائد. أما شي جين بينغ، فقد بدا كأنه حكيم خرج من لفائف الكونفوشيوسية القديمة، رجل يتحدث ببطء الإمبراطوريات التي لا تقيس الزمن بالسنوات، بل بالقرون. لكن خلف الابتسامات البروتوكولية، وخلف فناجين الشاي الصيني الهادئة، كانت هناك جزيرة صغيرة تجلس فوق الطاولة مثل خنجر مغطى بالحرير.

تايوان. جزيرة تبدو على الخريطة كسمكة صغيرة ضائعة في بحر الصين، لكنها في الحقيقة واحدة من أخطر النقاط الساخنة في التاريخ الحديث. فالامبراطوريات لا تخاف دائما من الدول الكبيرة، بل من الرموز الصغيرة التي تهدد هيبتها. المثل الصيني يقول: “الشرارة الصغيرة قد تحرق سهلا كاملا.”. أما العرب فقالوا قديما: “معظم النار من مستصغر الشرر.” وهكذا تبدو تايوان اليوم: شرارة معلقة فوق برميل بارود اسمه العالم.

الصين لا ترى تايوان مجرد جزيرة منشقة. إنها تراها قطعة مبتورة من جسدها التاريخي، جرحا قديما يعود إلى قرن الإذلال حين كانت القوى الغربية واليابان تتقاسم النفوذ فوق التراب الصيني كذئاب حول وليمة منهكة. في الوعي الصيني العميق، الوحدة ليست مجرد مفهوم سياسي، بل عقيدة حضارية. فالإمبراطورية الصينية عبر آلاف السنين كانت ترى نفسها “المملكة الوسطى”، مركز الكون الرمزي، وحين يخرج جزء من هذا المركز عن الطاعة، تشعر بكين وكأن السماء نفسها اختل ميزانها. لهذا لا تتحدث الصين عن تايوان ببرود الدبلوماسية، بل بحرارة الجرح. أما أمريكا، فهي لا تنظر إلى الجزيرة بعين العاطفة التاريخية، بل بعين الاستراتيجية الكبرى. تايوان بالنسبة لواشنطن ليست مجرد حليف، بل قفل بحري ضخم يحد من تمدد التنين الصيني داخل المحيط الهادئ. إنها قطعة شطرنج صغيرة تحرس توازن القوة العالمي.

وهنا تكمن المأساة. الصين تتحدث بلغة التاريخ. وأمريكا تتحدث بلغة النفوذ. وبين التاريخ والنفوذ تقف الجزيرة الصغيرة كطفل تائه بين عملاقين. في الروايات القديمة، كانت الحروب تبدأ غالبا بسبب امرأة جميلة أو أرض صغيرة أو كبرياء جريح.
حرب طروادة اندلعت بسبب وجه امرأة، والحرب العالمية الأولى بدأت برصاصة في زقاق ضيق. أما القرن الحادي والعشرون، فقد يشعل العالم فيه نزاع فوق جزيرة تصنع الشرائح الإلكترونية وتختزن عقدة الهيبة الإمبراطورية.

يا للعجب. البشرية التي أرسلت مركبات إلى المريخ ما زالت عاجزة عن تدبير غرائز القوة القديمة. كأن الإنسان يطور أدواته أسرع مما يطور حكمته. شي جين بينغ يعرف أن أي تراجع عن تايوان سيبدو داخل الصين كخيانة للحلم القومي الكبير. وترامب يعرف أن التخلي عنها سيعني بداية انحسار الهيمنة الأمريكية في آسيا. لذلك بدا اللقاء بينهما أشبه برقصة فوق حافة بركان. كل كلمة محسوبة. كل ابتسامة مدروسة. وكل صمت أخطر من الكلام نفسه. كان العالم كله يراقب المشهد كما كان القدماء يراقبون الكسوف: بخوف ميتافيزيقي من اختلال النظام الكوني. لكن الأكثر غرابة أن الصين وأمريكا، رغم هذا التوتر، لا تستطيعان الانفصال عن بعضهما. إنهما مثل عملاقين مربوطين بسلسلة ذهبية: التجارة، التكنولوجيا، الأسواق، الديون، المصانع، والاقتصاد العالمي. إنهما خصمان… وشريكان في الوقت نفسه.

المثل المغربي يقول: “العدو القريب خير من الصديق البعيد.” لكن السياسة الدولية أكثر قسوة من الأمثال، لأنها تجعل الأعداء يتبادلون الابتسامات بينما يخفون أصابعهم فوق أزرار النار. وفي النهاية، تبقى تايوان مجرد جزيرة صغيرة في الظاهر، لكنها في الحقيقة مرآة تعكس أزمة العالم كله: صراع القوة، وخوف الإمبراطوريات من الأفول، وعجز البشرية عن تجاوز منطق السيطرة. وربما لهذا السبب بدا اللقاء في بكين أكبر من مجرد زيارة سياسية. لقد كان لحظة كشف كونية، رأى فيها العالم صورته الحقيقية: حضارة متطورة إلى حد الجنون، لكنها ما تزال تسير بقلب بدائي يخاف فقدان العرش. وهكذا جلس التنين مع النسر تحت سقف واحد، بينما كانت تايوان، في مكان ما وسط البحر، تنام فوق أخطر حلم في العصر الحديث.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *