رجل حاول أن يشتري كبشا فعاد بطنين الناموس

بقلم زكية لعروسي, باريس

في البداية، ظن الناس أن الناموس خرج مبكرا بسبب الحرارة. لكن الذين يسكنون الأحياء الشعبية يعرفون الحقيقة أكثر من العلماء. الناموس لم يخرج بسبب المناخ. الناموس خرج لأنه شمَّ رائحة المواطن المرهق. الحشرات عندنا لم تعد تسكن المستنقعات فقط، بل تعلمت السكن في الفواتير، وفي نشرات الأخبار، وفي أثمان الخضر، وحتى في عيون الجزارين قبل عيد الأضحى.

في هذا العام، صار سيدي عْلِي يخاف من السوق أكثر مما يخاف من المقابر. كل شيء هناك يحدق فيك كما لو أنك قطعة لحم قابلة للدفع بالتقسيط. فسيدي علي لم يعد يشتري الحولي منذ سنوات، بل يذهب فقط ليتأكد أن العجز ما زال في مكانه الطبيعي. كان السوق يشبه حلما مريضا. الكباش واقفة في صفوف طويلة، تنظر إلى البشر بشفقة غامضة، وكأنها تعرف مسبقا أنها لن تذبح وحدها هذا العام.

اقترب منه سمسار قصير يشبه بعوضة ضخمة ترتدي قميصا مفتوحا عند البطن، وقال بصوت لزج: “هذا الكبش فيه البركة.” نظر مليا سيدي علي إلى الكبش بعينين متعبتين كموظف جماعة في آخر الشهر. سأله عن الثمن. ابتسم الرجل ابتسامة جعلته يشعر أن جيبه يُسرق قبل أن يسمع الرقم. حين أخبر بالسعر، شعر سيدي علي أن ضرسه الأيسر تحرك من مكانه. لم يعد يفهم هل يشتري أضحية أم شقة في قلب المدينة. حتى الكبش نفسه بدا مرتبكا من ثمنه. كان يحدق في الناس كما لو أنه يسألهم: “هل أكلت الذهب في المراعي دون أن أنتبه؟”

في الطريق إلى البيت، بدأ يلاحظ أن المدينة كلها تحولت إلى مستعمرة حشرات. السياسيون يطنّون فوق الشاشات.
الأبناك تلسع الحسابات البنكية. الإشهارات تمتص ما تبقى من الرغبة في العيش. أما هو، فقد صار يشبه جسدا عملاقا ممدّدا فوق سرير بينما الناموس يتغذى عليه بهدوء إداري. في الليل،همس لزوجته للا فاطمة ، كأنهما يتحدثان عن جنازة قريبة. قال لها: “ربما هذه السنة بلا حولي.” وحين قال الجملة، وكأن شيئا قديما انكسر داخل البيت.

في طفولتنا، كان العيد يدخل قبل أسبوع مثل عريس من الضوء. رائحة الشواء كانت تسكن الأزقة قبل الذبح. الأطفال ينامون قرب الكبش كما لو أنه فرد جديد من العائلة. والأمهات يغسلن الأواني بفرح يشبه الطقوس المقدسة. أما الآن، فقد صار العيد يطرق الأبواب بخجل موظف طرد من عمله. حتى الكباش لم تعد تثغو كما في السابق. هناك حزن غريب في أصواتها، كأنها فهمت الاقتصاد العالمي. في الأحياء المهترئة, يقف كل رجل أمام كبش صغير ويحسب على هاتفه… يحسب بطريقة مرعبة، كما لو أنه يفكك قلبه بالأرقام.

فجأة أدركت أن الناموس الحقيقي لم يكن تلك الحشرة التي تطنّ قرب الأذن. الناموس الحقيقي هو هذا العصر. عصر يلسعك في كرامتك قبل جيبك. يجعلك تخجل من أبنائك لأنك لا تستطيع شراء فرحتهم. يجعلك تخاف من المناسبات بدل أن تنتظرها. حتى الحب صار يحتاج ميزانية. والعيد صار يحتاج قرضا. والضحكة نفسها أصبحت مكلفة.

في الأزقة القديمة، كانت الجدات يقلن: “الدار اللي ما فيهاش حولي ما يدخلهاش العيد.” أما اليوم، فصار العيد نفسه خائفا من دخول البيوت. في تلك الليلة، لم أستطع النوم. كنت أسمع طنينا غريبا في رأسي. ليس طنين ناموسة واحدة، بل طنين الأحياء العارية. طنين الأسعار. طنين الانتخابات. طنين القروض. طنين الحوالات القادمة من الغربة كأكياس دم تحقن في جسد عائلة تحتضر اقتصاديا. ثم حدث شيء عجيب. رأيت في الحلم أن الكباش اجتمعت فوق سطح المدينة تعقد مؤتمرا سريا. كان أكبرها يحمل نظارات ويقرأ بيانا بصوت حزين: “أيها البشر…لقد كنتم تذبحوننا كل عيد، لكن يبدو أن الدور جاء عليكم.” ثم انفجرت المدينة كلها بثغاء هائل يشبه الضحك.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *