بقلم زكية لعروسي , باريس
لم يكن السرطان يوما مجرد مرض. إنه امتحان كونيّ تلقى فيه المرأة خارج حدود جسدها، كأن القدر يجرّدها من بيتها الأول ثم يطلب منها أن تبتسم. سرطان الثدي تحديدا ليس ورما فحسب؛ إنه اعتداء على الذاكرة الأنثوية، على رمزية الأمومة، على المرآة، وعلى تلك العلاقة الغامضة بين المرأة وصورتها في العالم. في الأزمنة القديمة، كان الإغريق يعتقدون أن الأمراض الكبرى ليست سوى رسائل من الآلهة الغاضبة. كتب أبقراط عن السرطان بوصفه «كائنا بأذرع»، يشبه السلطعون الذي يغرس مخالبه في اللحم والروح معا. ومن هنا جاءت التسمية: Karkinos.
أما العرب، فقد تعاملوا مع المرض بحزن الحكيم لا بخوف الجاهل. في كتب ابن سينا، لم يكن السرطان مجرد فساد في الجسد، بل اختلال في ميزان الحياة نفسها. وكان الأطباء القدماء يقولون إن بعض الآلام «لا تشفى إلا بالرحمة». لكن الرحمة اليوم أصبحت بندا إداريا مؤجلا في درج وزارة. أي قسوة هذه؟ امرأة تهزم أولا أمام المقصلة البيولوجية، ثم تهزم ثانية أمام الصيدلية. تفقد جزءا من جسدها، ثم تُجبر على دفع ثمن التعويض عنه. تدخل غرفة العمليات كي تنجو، فتخرج إلى معركة أخرى مع الفواتير، والبيروقراطية، والانتظار، والقرارات المؤجلة. هنا لا يعود السؤال طبيا فقط. بل أخلاقيا، فلسفيا، وحضاريا: كيف يمكن لدولة أن تصفق لقانون بالإجماع ثم تتركه معلقا كصورة شهيدة على الجدار؟ كيف نحتفل بـ«أكتوبر الوردي» بينما النساء يدفعن ثمن الحمالات الطبية والبدائل الجسدية من قوت أطفالهن؟ كيف يصبح الجسد الذي قاوم الموت مشروعَ ميزانية مؤجلا؟

إن المجتمعات تحاكم بطريقة بطريقة احتضان المنكسرين. في الأساطير اليونانية، كانت الآلهة حين تعجز عن إنقاذ البشر تمنحهم «الكرامة». أما نحن، فننتزع حتى الكرامة من المريضة. نطالبها بأن تكون قوية، متفائلة، مقاتلة، باسمة… لكننا لا نمنحها أبسط شروط النجاة النفسية. أي عبثٍ هذا الذي يجعل امرأة خارجة من استئصال ثدي تبحث عن سعر حمالة ضاغطة وكأنها تتسوّل حقها في استكمال أنوثتها؟ إن سرطان الثدي لا يسرق اللحم فقط. إنه يسرق اللغة. يجعل المرأة تتحدث عن نفسها بصيغة الغياب. يحوّل المرآة إلى شاهد جنائي. ويحوّل الليل إلى غرفة استجواب طويلة بين الإنسان وجسده. ومع ذلك… تنهض النساء. ينهضن بطريقة أسطورية. كأن في أجسادهن بقايا من عناد الآلهة القديمة. يمشين فوق الخراب وهن يخفين الندوب تحت الثياب، ويصنعن من الألم أناقة سرية لا يراها أحد. لكن الدولة التي تتأخر في تنفيذ قانون الحماية، لا تؤجل إجراء إداريا فقط؛ إنها تؤجل ترميم أرواح كاملة.

المرأة المصابة بسرطان الثدي ليست ملفا صحيا. إنها مكتبة خوف، وأمومة معلقة، ورسالة حب لم تكتمل، وطفولة ترتجف داخل جسد متعب. وحين تترك وحيدة أمام المصاريف، فإن المجتمع كله يُصاب بورم أخلاقي خبيث. إن أكثر ما يقتل المرضى ليس المرض دائما، بل الإحساس بأن العالم تعب من آلامهم. لهذا تبدو هذه القضية أكبر من مرسوم حكومي. إنها معركة حول معنى العدالة نفسها: هل العدالة أن نسمح للإنسان بالنجاة؟ أم أن نضمن له أن يعيش نجاته بكرامة؟ المرأة التي هزمها السرطان مرة… لا يحق لنا أن نهزمها ثانية. ولا يوجد سرطان أخطر من بيروقراطية تفقد قلبها.
📲 Partager sur WhatsApp