بقلم زكية لعروسي, باريس
في إيران، تلك البلاد التي تبدو منذ آلاف السنين وكأنها تسير داخل التاريخ وهي تحمل فوق كتفيها ظلال الإمبراطوريات والأنبياء والفلاسفة والشعراء، لا يُنظر إلى الإنجاب باعتباره مجرد شأن عائلي أو غريزة بيولوجية، بل كفعل سياسي، وكاستراتيجية حضارية، وكامتداد خفي للحرب نفسها. هكذا، ومن خلف ستار الغياب والصمت، خرج المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي برسالة تحمل في ظاهرها دعوة ديموغرافية، لكنها في عمقها إعلان فلسفي عن رؤية دولة تريد أن تحارب الزمن نفسه. ففي خضم الحرب المشتعلة مع الولايات المتحدة، وبين العقوبات والتهديدات والطائرات المسيّرة، دعا الإيرانيين إلى الإكثار من الإنجاب من أجل «بناء الحضارة الإسلامية الإيرانية الجديدة». إنها جملة تبدو للوهلة الأولى خطابا أيديولوجيا تقليديا، لكنّها في الحقيقة تكشف أحد أعمق أسرار الدولة الإيرانية: إيران لا تفكر بعقلية الحكومة، بل بعقلية الحضارة.
منذ الأخمينيين حتى الجمهورية الإسلامية، لم ترَ فارس نفسها مجرد دولة عابرة، بل كيانا تاريخيا يحمل رسالة تتجاوز الحدود والجغرافيا. ولهذا فإن الحرب عند الإيراني ليست فقط حرب صواريخ ونفوذ، بل أيضا حرب ديموغرافيا وذاكرة واستمرارية. هنا تستيقظ أشباح التاريخ القديم. هيرودوت، المؤرخ اليوناني الذي كتب عن الفرس بدهشة ممزوجة بالخوف، وصفهم كأمة تؤمن بأن الزمن الطويل أهم من الانتصارات السريعة. أما أفلاطون، فكان يرى أن الدولة التي تريد البقاء لا تبني الجيوش فقط، بل تبني الإنسان الذي يحمل فكرة الدولة في دمه. وفي التراث العربي، كان الجاحظ يصف الفرس بأنهم «أهل سياسة وتدبير»، أمة تعرف كيف تُخفي القوة داخل الصبر، وكيف تجعل من الثقافة أداة نفوذ لا تقل أهمية عن السيف.

إيران اليوم تستعيد هذه الرؤية القديمة بلباس ديني حديث. فالمرشد الغائب عن الأنظار يدرك أن الحروب الكبرى لا تحسم فقط في ساحات القتال، بل داخل البيوت، داخل الأرحام، داخل المدارس، وفي القدرة على إنتاج أجيال ترى نفسها استمرارا لمشروع تاريخي طويل. إنها «البيوسياسة» كما سمّاها ميشيل فوكو: حين تتحول الدولة إلى قوة تدير الحياة نفسها، وتتعامل مع الولادة باعتبارها ملفا استراتيجيا لا يقل أهمية عن النفط أو السلاح النووي. لكن المشهد الإيراني يحمل تناقضا في عمقه. فالدولة التي تطلب من شعبها إنجاب المزيد، هي نفسها الدولة التي يعيش شبابها تحت ضغط اقتصادي هائل، وعزلة دولية، وقلق وجودي بين الحداثة والتقليد. وهنا يتحول الجسد الإيراني إلى ساحة صراع فلسفي: هل ينجب الإنسان من أجل الحياة… أم من أجل المشروع السياسي؟
إن دعوة خامنئي ليست مجرد سياسة سكانية، بل محاولة لمواجهة خوف خفي: خوف الحضارات القديمة من الشيخوخة والانطفاء. أوروبا تشيخ، اليابان تنكمش ديموغرافيا، والغرب يعيش أزمة معنى عميقة. أما إيران، فتريد أن تقول إنها لا تزال قادرة على إنتاج المستقبل، لا استهلاك الماضي فقط. وفي الخلفية، تبدو الحرب مع الولايات المتحدة وكأنها أكثر من صراع جيوسياسي؛ إنها مواجهة بين رؤيتين للإنسان والعالم. رؤية أمريكية تقوم على الفرد والحرية والاستهلاك، ورؤية إيرانية ترى الجماعة والعقيدة والاستمرارية التاريخية أساس البقاء.
لهذا يصبح الإنجاب في الخطاب الإيراني فعل مقاومة. وكأن الجمهورية الإسلامية تقول لشعبها: «كل طفل جديد هو جندي مؤجل في معركة الحضارة». هنا يعود نيتشه ليطلّ بسخريته القاسية: «كل دولة تريد الخلود، حتى لو مرّت عبر أجساد أبنائها». بينما يهمس ابن خلدون من عمق القرون بأن الدول لا تسقط فقط بالهزائم العسكرية، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج العصبية والنسل والروح الجماعية. إيران اليوم لا تخوض حربا على الحدود فقط، بل حربا ضد الفناء نفسه. وكأن الشرق كله، من برسبوليس إلى قم، يقف داخل رواية روسية هائلة: إمبراطورية جريحة، ومرشد غامض لا يظهر، وشعب يتأرجح بين الإيمان والتعب، فيما تحاول الدولة أن تزرع المستقبل داخل الأرحام قبل أن تزرعه في الخرائط.
📲 Partager sur WhatsApp
مواقف وكلام يترجم صوت الحقيقة، الأرض بدون بشر ليست أرضا هي مجرد خلاء. وهو ما توصلت اليه آخر الدراسات عن الأسرة عندنا، ما أسفر عن كثير من الأضواء الحمراء هي بمثابة مخاطر على دم عراقي شعب يسير صوب الشيخوخة في صمت. ما يلزم التفكير بجدية في المسألة وما لها من أبعاد استراتيجية، القتصادية، اجتماعية….