مدريد تهتز : قلق الديمقراطية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في مدريد، لا تسير الجموع فقط… بل تنهض الأشباح أيضا. حين احتشد عشرات الآلاف في شوارع العاصمة الإسبانية مطالبين باستقالة بيدرو سانشيز، لم يكن المشهد مجرد احتجاج سياسي عابر يمكن احتواؤه بأرقام وزارة الداخلية أو خطابات الأحزاب. كان الأمر أشبه بارتجاج عميق في الوعي الإسباني نفسه؛ كأن إسبانيا القديمة، بكل تناقضاتها التاريخية، خرجت فجأة من أقبية الزمن لتسأل نفسها: من نحن بعد كل هذا الخراب الجميل؟

هناك أمم تعيش التاريخ، وهناك أمم يطاردها التاريخ. وإسبانيا من النوع الثاني. هذه البلاد التي حملت ذات يوم صليب الإمبراطورية وسيفها عبر القارات، والتي كانت شمسها “لا تغيب أبدا”، تبدو اليوم كأرستقراطي عجوز يجلس في قصر متداعٍ، يحدق في لوحات أسلافه بينما يسمع ضجيج الشارع يقترب من النوافذ الثقيلة. لم تكن المظاهرات ضد سانشيز مجرد غضب من ملفات فساد أو مساومات سياسية؛ بل كانت انفجارا لذلك التوتر الإسباني الأبدي بين الدولة والقبيلة، بين مدريد والأطراف، بين السلطة المركزية والذاكرة الجهوية، بين حلم الحداثة وكوابيس الحرب الأهلية التي لم تغادر الروح الإسبانية تماما. فإسبانيا، منذ سقوط الأندلس وحتى دكتاتورية فرانكو ثم الانتقال الديمقراطي، لم تنجح يوما في تحقيق مصالحة كاملة مع ذاتها. إنها بلد يعيش فوق طبقات من الرماد التاريخي؛ كل أزمة سياسية تعيد إيقاظ جراح قديمة نائمة تحت جلد المؤسسات الحديثة.

ولو كان دوستويفسكي يراقب المشهد من مقهى معتم في مدريد، لربما رأى في هذه الحشود شيئا من “الإخوة كارامازوف” وهم يتقاتلون داخل روح واحدة. فإسبانيا الحديثة تبدو أحيانا كعائلة تاريخية ضخمة، متعبة، عبقرية، لكنها غير قادرة على الاتفاق حول معنى الوطن ذاته. أما نيتشه، لابتسم ابتسامته الباردة وهو يشاهد الجماهير تصرخ ضد الفساد. لأنه كان يعرف أن الشعوب لا تثور فقط ضد السياسيين، بل ضد شعورها الداخلي بالخذلان. إن الجماهير، في لحظات الغضب الكبرى، لا تبحث عن حكومة جديدة بقدر ما تبحث عن معنى جديد للكرامة.

ولعل المأساة الإسبانية المعاصرة تكمن هنا تحديدًا: الديمقراطية التي وُلدت بعد فرانكو باعتبارها خلاصا تاريخيا، تحولت تدريجيًا إلى ساحة شك دائم. الأحزاب تتآكل، الثقة تنهار، والناس يشعرون بأن الدولة لم تعد بيتا جماعيا بل متاهة بيروقراطية تحكمها التحالفات الهشة والمصالح العابرة. لكن خلف هذا الضجيج السياسي يكمن شيء أعمق بكثير: خوف إسبانيا من التفكك الرمزي. فالدولة التي نجت من الحرب الأهلية، والانقلابات، والانفصال الكاتالوني، والأزمات الاقتصادية، تدرك أن أخطر ما يهدد الأمم ليس الفقر وحده، بل فقدان السردية الوطنية الجامعة. حين تفقد الشعوب إيمانها بالقصة التي توحدها، تبدأ الجغرافيا نفسها بالتصدع.

ومن هنا تبدو شوارع مدريد وكأنها مسرح لرواية روسية عملاقة: شعب غاضب، نخبة مرهقة، ديمقراطية قلقة، وبلد يقف بين أمجاد الماضي وغموض المستقبل. ومع ذلك، فإن عظمة إسبانيا الحقيقية لم تكن يوما في قوتها العسكرية أو ثروتها الإمبراطورية، بل في قدرتها العجيبة على النهوض من الخراب. هذه الأرض التي أنجبت ثيربانتس، وغويا، ولوركا، تعرف كيف تحول الألم إلى فن، والانقسام إلى سؤال فلسفي عميق عن الإنسان والسلطة والحرية. وربما لهذا السبب تحديدا لا يمكن قراءة ما يحدث في مدريد كخبر سياسي عابر. إنه صراع حضاري داخل روح أمة قديمة… أمة لا تزال تبحث، وسط الضباب الأوروبي الحديث، عن تعريف جديد لمعنى إسبانيا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *