بقلم جميلة الفين ديبلوماسية باليونيسكو, وباحثة متخصصة في حقوق المرأة الإفريقية (ترجمة زكية لعروسي)
لم تعد معارك القرن الحادي والعشرين تحسم على حدود الجغرافيا، ولا في صفقات السلاح، ولا حتى في خطابات المنابر الدولية. إنّ القوة الحقيقية اليوم تولد في المختبرات، وتُصاغ داخل مراكز البيانات، وتكتب بلغات البرمجة والمعادلات والخوارزميات. وفي قلب هذا التحوّل الكوني، تنهض إفريقيا بهدوء العظماء، لا لتطلب مكانا في العالم، بل لتعيد تعريف العالم ذاته.
غير أنّ المفاجأة الكبرى لا تكمن في الثروات الطبيعية التي تزخر بها القارة، ولا في موقعها الجيوسياسي الفريد، بل في تلك الطاقة البشرية الهائلة التي ظلّ العالم طويلًا يقلّل من شأنها: المرأة الإفريقية المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. إنها ليست مجرد قصة تمكين اجتماعي، ولا شعارا للاستهلاك الإعلامي، بل مشروع سيادة متكامل. فحين تدخل فتاة من باماكو أو نيروبي أو الرباط إلى مختبر للذكاء الاصطناعي، فإنها لا تغيّر مصيرها الشخصي فحسب؛ بل تعيد رسم موازين القوة الدولية.
لقد أدركت القوى الكبرى منذ عقود أنّ النفوذ الحديث لا يُقاس بعدد الجيوش فقط، بل بعدد العلماء، وبراءات الاختراع، ومن يتحكم في البيانات، ومن يكتب معايير التكنولوجيا العالمية. أما إفريقيا، فقد آن أوان أن تُحوّل طاقتها الديموغرافية إلى هيبة معرفية، وأن تجعل من المرأة العلمية ركيزة مشروعها الحضاري الجديد. تشير الدراسات المستقبلية إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع وظائف المستقبل ستعتمد على مهارات STEM. وفي المقابل، فإن إقصاء الفتيات عن هذه المجالات لن يؤدي فقط إلى تفاقم البطالة والفقر، بل سيبقي القارة رهينة للتبعية الرقمية والعلمية لعقود أخرى. وهنا تحديدًا تتجلّى المسألة بوصفها قضية أمن قومي إفريقي، لا ملفا اجتماعيا هامشيا.

فالسّيادة في العصر الجديد لا تعلَن في القاعات الدبلوماسية وحدها، بل تنتَزع داخل الجامعات ومراكز البحث. السيادة تعني أن تمتلك إفريقيا علماءها، وتقنياتها، وخبراءها القادرين على إدارة المياه والطاقة والصحة والأمن السيبراني والغذاء. والسيادة الحقيقية تبدأ حين تكون المرأة الإفريقية شريكة في صناعة القرار العلمي، لا مجرد متلقية لنتائجه. لنتخيّل للحظة مهندسة إفريقية تقود مشروعا عملاقا للطاقة النظيفة في الساحل، أو عالمة بيانات تؤمّن البنية الرقمية للتبادل التجاري الإفريقي، أو باحثة في المناخ تفاوض باسم القارة في قمم البيئة العالمية. عندها لن تكون إفريقيا موضوعا للنقاش، بل صاحبة القرار والرواية والمعرفة.
لقد ظلّ “السوفت باور” الإفريقي لسنوات طويلة مرتبطا بالموسيقى والرياضة والفنون، وهي عناصر مهمة بلا شك، لكنها لم تعد كافية في عالم تحكمه التكنولوجيا. فالدول التي تقود العالم اليوم ليست فقط تلك التي تنتج الثقافة، بل تلك التي تنتج المعرفة. العالم يصغي لمن يبتكر، لا لمن يستهلك. ويمنح الاحترام لمن يبني المستقبل، لا لمن ينتظر صدقات التنمية. ومن هنا، تصبح الباحثة الإفريقية، والمهندسة، وعالمة الرياضيات، والدكتورة في الذكاء الاصطناعي، أصولا استراتيجية للقارة بأكملها. فكل ورقة علمية تنشر باسم إفريقي، وكل براءة اختراع تحمل توقيع امرأة من إفريقيا، هي في الحقيقة إعلان استقلال جديد.
إنّ ما يحدث اليوم في جامعات كيغالي والدار البيضاء وداكار وكيب تاون هو بداية تحوّل تاريخي عميق. جيل جديد من النساء الإفريقيات يدخل ميادين العلوم الدقيقة بثقة لا تشبه الأجيال السابقة. إنهن لا يطلبن الشفقة، ولا ينتظرن الاعتراف، بل يعملن بصمت من أجل أن يكنّ في مستوى الحلم الإفريقي الكبير. ولعلّ أعظم ما في هذا التحوّل أنه يعيد تعريف صورة إفريقيا نفسها. فالقارة التي قدّمت طويلا باعتبارها مساحة للأزمات والهشاشة، تثبت اليوم أنها قادرة على إنتاج النخب العلمية القادرة على المنافسة العالمية. وإفريقيا التي كانت تستهلك بوصفها سوقا للتكنولوجيا، تستعد لأن تصبح منتِجة لها.
إنّ الاستثمار في المرأة داخل STEM ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لبقاء القارة في قلب التاريخ. فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد المعرفة، ومن يتأخر اليوم سيُقصى غدًا من معادلات القوة والازدهار. لهذا، فإنّ الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في بناء الطرق والجسور، بل في بناء العقول. لا يكمن فقط في استخراج المعادن، بل في استخراج العبقرية الكامنة داخل ملايين الفتيات الإفريقيات اللواتي ينتظرن فرصة عادلة لقيادة المستقبل. وسيأتي يوم، ربما أقرب مما نتخيّل، تدرك فيه البشرية أنّ نهضة إفريقيا لم تبدأ من القصور السياسية، بل من مختبر صغير جلست فيه فتاة إفريقية تؤمن أن المعادلات يمكن أن تُغيّر مصير الأمم. حينها فقط، سيدرك العالم أنّ القوة الناعمة الأعظم في إفريقيا لم تكن النفط ولا الذهب ولا الجغرافيا… بل عقل امرأة إفريقية قررت أن تكتب المستقبل بيديها.
📲 Partager sur WhatsApp
قوة القشرة الرمادية هي الرهان و” النقطة” مدار الصراع في زمن القوة والتقنية. ليس لهذه القوة جغرافيا تحتكرها، كما لا تعترف بمفهوم النوع. اينما توفرت لها الشروط تنفجر .
السلاح النفاث هو العلم، فالمجتماعات التي تراهن على دغدغة المشاعر الدينية، و الادعاءء بالقوة و هي تستورد أبسط حاجياتها من الآخر الذي يمتلك سلاح التكنولوجيا و العلم، و تراهن على القوة العددية بالتوالد، فإنها بالتأكيد تراهن على الخيول الخاسرة.
برافو لصاحبة المقال. و شكرا لزكية التي ترجمته ليسنفيد الجميع.