غلوكسمان، الهجرة، وعودة الأشباح الجمهورية

بقلم زكية لعروسي, باريس

حين تتشقق الأمم مثل أوان خزفية قديمة، لا تأتي السياسة بوصفها إدارة للوقائع، بل كفن لاستحضار الأشباح. وها هو البرلماني الأوروبي رافائيل غلوكسمان يطلّ على المسرح الفرنسي، لا باعتباره مرشحا اعتياديا لانتخابات 2027، بل ككاتب يحاول أن ينفخ في رماد الجمهورية الفرنسية روحا جديدة، عبر اقتراح يبدو في ظاهره إجرائيا، لكنه في عمقه سؤال ميتافيزيقي عن معنى الأمة: «اتفاقية مواطنين حول الهجرة» إن الفكرة، في جوهرها، ليست مجرد آلية ديمقراطية تشاركية، بل محاولة لإعادة اختراع الشرعية نفسها. ففرنسا التي أنجبت الثورة، وقطعت رأس الملك باسم الشعب، تبدو اليوم كأنها تبحث، وسط الصخب الشعبوي وصعود اليمين القومي، عن طريقة جديدة لسماع نفسها. وكأن الجمهورية الخامسة، بعد عقود من الإرهاق الإيديولوجي، صارت بحاجة إلى جلسة تحليل نفسي جماعي.

غلوكسمان، ابن التقليد الاجتماعي-الديمقراطي الأوروبي، لا يتحرك في فراغ. إن خطابه يخرج من أنقاض يسار فرنسي عاش سنوات من التيه بين ليبرالية السوق وحنين العدالة الاجتماعية، وبين كونية الجمهورية ومخاوف الهوية. ومن هنا تبدو دعوته إلى «مؤتمر مواطنين» حول الهجرة أشبه بمحاولة لإعادة فتح كتاب العقد الاجتماعي، لكن بأصابع ترتجف فوق خرائط المتوسط، وقوارب اللاجئين، وضواحي باريس المكتظة بأبناء المستعمرات القديمة.

الهجرة هنا ليست مجرد ملف إداري. إنها المرآة السوداء التي ترى فرنسا فيها تناقضاتها العميقة: أمة تنادي بالكونية لكنها تخشى الذوبان؛ دولة تبشّر بحقوق الإنسان لكنها ترتبك أمام أفواج البشر القادمين من حروب ساهم الغرب نفسه في صناعتها؛ جمهورية تؤمن بالمساواة لكنها لم تتصالح تمامًا مع تاريخها الكولونيالي. ولذلك فإن غلوكسمان، حين يدعو إلى إشراك مواطنين «يُسحبون بالقرعة» لمناقشة هذا الملف، يبدو كأنه يستعيد، بصورة محدثة، الحلم الأثيني القديم: أن تتكلم المدينة مع نفسها قبل أن تصدر الأحكام. غير أن فرنسا القرن الحادي والعشرين ليست أثينا بيركليس، بل أقرب إلى روسيا دوستويفسكي: أرض تتصارع فيها الأرواح، ويتجاور فيها الإيمان بالإنسان مع الخوف المرضي منه.

في بعض الروايات الروسية، لم تكن الأسئلة الكبرى تُناقش داخل البرلمانات، بل في غرف ضيقة، بين قتلة وقديسين ومجانين. كان الإنسان الروسي هناك يُمزق نفسه بين الحرية والخلاص، بين الرغبة في العدالة والانجذاب إلى السلطة. وهذا بالضبط ما تواجهه أوروبا اليوم في قضية الهجرة: هل تستطيع الديمقراطية أن تحتمل القلق الذي تصنعه الحرية؟ وهل يمكن للجمهورية أن تبقى وفية لقيمها حين يصبح الخوف هو اللغة الأكثر شعبية

إن اقتراح غلوكسمان يحمل مفارقة فلسفية آسرة. فهو يريد أن ينزع ملف الهجرة من أيدي التكنوقراط والديماغوجيين معا، وأن يعيده إلى المجال العمومي العقلاني. لكنه يفعل ذلك في زمن لم يعد العقل العمومي نفسه مستقرا. لقد تحولت السياسة الأوروبية إلى ما يشبه سوقا هائلة للعواطف الخام: الخوف، الغضب، الإهانة، الحنين، والرغبة في الانتقام من النخب. ومن هنا يبدو مشروع «الاتفاقية المواطِنة» محاولة لإنقاذ الديمقراطية من انهيارها العاطفي. كأن غلوكسمان يقول: دعونا نبطئ آلة الصراخ الجماعي، ونُدخل المواطن الفرنسي إلى مختبر الحقيقة، حيث الأرقام الديموغرافية لا تُقرأ كشعارات، وحيث الأمن لا يتحول إلى أسطورة، وحيث المهاجر ليس شبحا بل إنسانا.

لكن السؤال الأخطر يظل معلقا: هل ما تزال فرنسا قادرة على إنتاج «إرادة عامة» بالمعنى الذي حلم به الفيلسوف جان جاك روسو؟ أم أن المجتمع الفرنسي انقسم إلى جزر نفسية وثقافية لم يعد يجمعها سوى القلق؟ إن تاريخ اليسار الفرنسي نفسه يطفو هنا كطيف ثقيل. فمنذ ماي 1968، ظل اليسار يتأرجح بين الدفاع عن الطبقات الشعبية والانجذاب إلى خطاب كوني ثقافي جعل جزءا من الطبقة العاملة يشعر بأنه متروك لصالح نخب المدن الكبرى. وقد جاء صعود اليمين الشعبوي، من جان مارين لوبين إلى الإبنة مارين لوبين، ليحوّل الهجرة إلى مسرح دائم للخوف الجماعي.

وسط هذا كله، يحاول غلوكسمان أن يشق لنفسه طريقا ثالثا: لا إنكار للمخاوف، ولا استسلام للكراهية. وهو بذلك يقترب، بصورة لافتة، من تقاليد الرواية الروسية الكبرى، حيث الحقيقة ليست ملكا لمعسكر واحد، بل حقلا مأساويا تتصارع داخله الوقائع والأحلام والخطايا. إن الخدمة المدنية الإلزامية التي يقترحها ليست منفصلة عن هذه الرؤية. إنها محاولة لإعادة اختراع «اللقاء الوطني» في زمن التفكك الاجتماعي. وكأن الرجل يريد أن يجيب عن سؤال ظل يطارد فرنسا منذ عقود: كيف يمكن لأبناء الضواحي، وأحفاد الفلاحين، ونخب المدن الرقمية، أن يشعروا مرة أخرى بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة؟

وربما هنا تحديدا تكمن قوة المشروع وضعفه معا. فهو مشروع أخلاقي أكثر منه انتخابيا، ومحاولة لبناء سردية وطنية جديدة في بلد أنهكته السرديات المتصارعة. غير أن فرنسا اليوم ليست فقط ساحة أفكار، بل ساحة مخاوف اقتصادية وقلق هوياتي وتعب حضاري عميق. ومع ذلك، فإن مجرد طرح السؤال بهذه الطريقة يكشف عن شيء نادر في السياسة الأوروبية المعاصرة: الرغبة في التفكير بدل الاكتفاء بالشعار. ففي زمن تُدار فيه الديمقراطيات عبر الخوارزميات والانفعالات اللحظية، يبدو اقتراح غلوكسمان كأنه رسالة قادمة من قرن آخر؛ قرن كان السياسي فيه يطمح إلى أن يكون مثقفا، لا مجرد مدير للرأي العام. ولعل فرنسا، التي أنجبت الكاتب الكبير فيكتور هيغو و الفيلسوف-الكاتب ألبير كامو، تعرف في أعماقها أن الأمم لا تنهار فقط حين .تفقد ثروتها، بل حين تفقد قدرتها على الحوار مع نفسها

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “غلوكسمان، الهجرة، وعودة الأشباح الجمهورية

  1. هذا الرجل سياسي محنك، قرأت له كتابا يشرح فيه سياسته و أهداف حزبه و برنامجه السياسي.
    أحيي فيك هذه المتابعة للشأنين الوطني و الدولي خصوصا ما تعلق منه بالهجرة التي أصبحت كالحرح القديم الذي لم يندمل كلما وضعت علبه الأصبع عاد الألم من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *