تصريح أحمد عطّاف حول نزاع الصحراء المغربية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في زمن تتكسّر فيه الحقائق على صخور الدعاية، خرج وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بتصريح بدا، للوهلة الأولى، وكأنه اعتراف متأخر بما ظلّ المغرب يقوله للعالم منذ عقود: أن جوهر النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لا يمكن أن يجد مخرجه إلا في الواقعية السياسية، والحوار المباشر، والاعتراف بالحقائق التي صنعتها الأرض والتاريخ معا. لقد قال عطاف، وهو يتحدث عن “مفاوضات مباشرة بين المغرب والبوليساريو”، إن ذلك “هو ما ظلت الجزائر تدعو إليه منذ خمسة عقود”. لكن العبارة، رغم ما تحمله من ظاهر دبلوماسي، تكشف في عمقها مفارقة سياسية تكاد تبلغ حدّ التراجيديا الجيوسياسية؛ لأن الجزائر، التي تصرّ منذ نصف قرن على تقديم نفسها كـ”طرف غير معني”، تعود اليوم لتتحدث بلسان الوصيّ على مسار تفاوضي هي نفسها أحد أهم مهندسيه ومغذّيه ومحرّكيه. هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: كيف لدولة تقول إنها “ليست طرفا في النزاع” أن تظلّ لعقود تصوغ مفرداته، وتحدد سقوفه، وتدافع عنه في المحافل الدولية، ثم تتحدث عن تفاصيله وكأنها مالكة مفاتيحه السرية؟

إن المتأمل في هذا التصريح لا يملك إلا أن يستحضر عبارة الفيلسوف الألماني هيغل حين قال: “التاريخ يعيد نفسه، مرة كمأساة ومرة كمهزلة”. فالجزائر الرسمية تبدو اليوم أسيرة سردية قديمة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها العالم، ولا حتى التحولات التي تعرفها القارة الإفريقية نفسها. بينما اختار المغرب، بقيادة ملكية ذات نفس استراتيجي طويل، أن ينتقل من منطق ردّ الفعل إلى منطق صناعة الوقائع: تنمية بالصحراء، اعترافات دولية متزايدة بمغربية الصحراء، قنصليات أجنبية تفتح في العيون والداخلة، ومبادرات أطلسية تجعل من الجنوب المغربي بوابة جيو-اقتصادية نحو إفريقيا والعالم.

ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة في خطاب عطاف ليس مضمونه فقط، بل توقيته أيضا. فالعالم تغيّر. خرائط النفوذ لم تعد تُرسم بالشعارات الثورية الباردة التي ولدت في سبعينيات القرن الماضي، بل بالموانئ، والطاقة، والربط اللوجستي، والاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، يبدو المغرب وكأنه يكتب المستقبل بلغة القرن الحادي والعشرين، بينما لا تزال الجزائر تحاول قراءة الحاضر بعين أرشيف الحرب الباردة.

إن المملكة المغربية، في تعاطيها مع ملف الصحراء، لم تعد تتحرك بمنطق الدفاع عن قضية ترابية فحسب، بل بمنطق الدولة الحضارية التي تدرك أن السيادة هي مشروع تاريخي متكامل. لذلك لم يكن مقترح الحكم الذاتي مجرد مبادرة تقنية…إنّه تعبير عن عبقرية سياسية مغربية تجمع بين الحفاظ على الوحدة الترابية والانفتاح على الحلول الواقعية. ومن هنا، فإن أي حديث عن “مفاوضات مباشرة” لا يمكن عزله عن الحقيقة الجوهرية التي بات المجتمع الدولي يقترب منها : أن النزاع الحقيقي ليس بين المغرب والبوليساريو فقط، بل بين رؤية مغربية تؤمن بالاستقرار والتنمية والتكامل الإفريقي، ورؤية جزائرية لا تزال تنظر إلى المنطقة بعين التوازنات الإيديولوجية القديمة.

لقد كان المغرب، عبر تاريخه الطويل، أشبه بشجرة زيتون متوسطية عتيقة؛ تضرب جذورها عميقا في التاريخ، لكنها تمدّ أغصانها نحو المستقبل. أما خصومه، فكثيرا ما بدوا كمن يحاول حجب الشمس بغربال الشعارات. والتاريخ، كما علّمنا ابن خلدون، لا يرحم الكيانات التي تتجمد خارج حركة العمران. ثم إن المتابع الذكي لا يمكنه تجاهل التحول الرمزي العميق في الخطاب الجزائري ذاته. فمجرد الحديث عن “مفاوضات مباشرة” هو اعتراف ضمني بأن الحل العسكري والدعاية الثورية وصناعة العداء لم تعد تنتج سوى المزيد من العزلة الإقليمية واستنزاف الزمن السياسي. وهذا في حد ذاته انتصار للرؤية المغربية التي ظلت تؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسيا، واقعيا، وبراغماتيا.

إن المغرب اليوم يتحدث من موقع الدولة الواثقة من شرعيتها التاريخية، والقوية بعمقها الإفريقي، والراسخة بمؤسساتها، والمطمئنة إلى التحولات الدولية المتسارعة التي باتت ترى في الرباط شريكا للاستقرار لا مصدرا للتوتر. قد يختلف السياسيون في التصريحات، وقد تتبدل لهجات الخطاب الدبلوماسي، لكن هناك حقيقة واحدة تتقدّم بثبات الصحراء نفسها: المغرب لم يكن يوما طارئا على صحرائه، كما أن الصحراء لم تكن يوما هامشا في الوعي المغربي. إنها امتداد الروح في الجغرافيا، وامتداد الجغرافيا في التاريخ. ولهذا، فإن كل تصريح يصدر من هنا أو هناك لا يغيّر جوهر المعادلة، بل يؤكد شيئا واحدا: أن المملكة المغربية، بهدوء الدول العريقة، تواصل ربح معركة الزمن، بينما لا يزال الآخرون يفاوضون أشباح الماضي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *