ترامب: رجل لا يتكلم… بل ينتج اضطرابا

بقلم زكية لعروسي, باريس

في السياسة قد تكشف الزلات لا عن ضعف الذاكرة , إنّما أحيانا عن فائض القوة. دونالد ترامب لا يخطئ كما يخطئ رجل مسنّ فقَدَ خيْط الجغرافيا؛ إنه يخلط الخرائط كما يخلط مقامر محترف أوراق اللعب كي يُربك الطاولة بأكملها. وما بدا، هذا الأسبوع، كارتباك بين عُمان وإيران وفنزويلا، لم يكن مجرد خلل لفظي…هي لحظة كاشفة عن بنية ذهنية وسياسية تقوم على ما يمكن تسميته بـ«التحايل البسيكوسياسي»: تحويل الالتباس إلى أداة هيمنة، والغموض إلى سلاح ردع، والتشويش إلى هندسة للواقع نفسه. فخلال اجتماع وزاري في البيت الأبيض، هدد ترامب سلطنة عُمان قائلا إنها «ستتصرف مثل الجميع وإلا فسيتعين علينا أن نفجّرهم»، في سياق حديثه عن مضيق هرمز، قبل أن ينتقل بصورة مرتبكة للحديث عن فنزويلا بالمفردات نفسها التي يستخدمها عادة تجاه إيران. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل أخطأ ترامب؟ بل: لماذا يبدو خطؤه دائمًا كأنه جزء من المسرحية؟

في الأنظمة التقليدية، ينتظر من الرئيس أن يكون تجسيدا للتماسك العقلاني للدولة. أما ترامب، فهو النقيض الكامل: إنه رئيس يُمارس السلطة عبر زعزعة معنى السلطة نفسها. لا يتحدث بوصفه رجل دولة، بل بوصفه «مُنتج صدمات». كل جملة عنده ليست رسالة، بل انفجار إدراكي صغير يربك الإعلام، ويدفع الخصوم إلى ردود فعل هستيرية، ويبقي الجمهور داخل حالة يقظة دائمة. إنه لا يدير السياسة وفق منطق الحقيقة، بل وفق اقتصاد الانتباه. في عالم تحكمه الشاشات، يصبح الأكثر غموضًا هو الأكثر حضورا. ولهذا فإن خلطه بين عُمان وإيران ليس بالضرورة دليل خرف، كما يسارع خصومه إلى القول، بل قد يكون تعبيرًا عن عقلية إمبراطورية ترى العالم ككتلة جيوسياسية سائلة، حيث تختزل الدول إلى وظائف: دولة نفط، دولة تهديد، دولة ابتزاز، دولة فائض يمكن محوه بلحظة غضب.

في ذهن ترامب، لا توجد جغرافيا بالمعنى الكلاسيكي؛ توجد فقط خرائط للقوة. هنا يكمن جوهر الظاهرة الترامبية. فالتحايل البسيكوسياسي ليس كذبا بسيطا، بل هو هندسة نفسية كاملة تدار عبر ثلاثة مستويات:

أولا: تشويش الإدراك الجماعي

حين يخلط الرئيس بين دول متباعدة، أو يُطلق تهديدات غير عقلانية، فإن النقاش العام يتحول فورًا من مضمون السياسات إلى تحليل شخصيته. وهكذا تختفي الأسئلة الجوهرية – الحرب، الطاقة، النفوذ، صفقات السلاح – خلف الصخب النفسي. إنه يجرّ الإعلام إلى متاهة التشخيص العقلي بدل مساءلته سياسيا.

ثانيا: صناعة «الرجل غير المتوقع»

ترامب يفهم، بغريزة تاجر العقارات، أن الخوف لا يحتاج دائما إلى القوة، بل إلى انعدام القدرة على التنبؤ. لهذا يتعمد أحيانا الظهور كرجل قد يفعل أي شيء. إنه يسيّس الفوضى الشخصية. وهنا يستعيد، بصورة غريزية لا فلسفية، نظرية «الرجل المجنون» التي استخدمها ريشار نيكسون خلال الحرب الباردة: اجعل خصمك يعتقد أنك غير قابل للضبط، فيخاف من أسوأ الاحتمالات. لكن ترامب يذهب أبعد من نيكسون؛ إنه لا يوظف الجنون التكتيكي فقط، بل يحوّله إلى هوية إعلامية كاملة.

ثالثا: تذويب الحقيقة داخل الفرجة

في عصر ترامب، لم تعد السياسة إدارة للوقائع، بل إدارة للانفعالات. الحقيقة لم تعد مهمة بقدر قابلية العبارة للانتشار. ولهذا فإن جملة مثل «سنفجر عمان» تعمل إعلاميا أكثر من مائة خطاب دبلوماسي متزن. إنها جملة صمّمت لتعيش داخل الخوارزميات، لا داخل الأرشيف السياسي. فهل ترامب مريض فعلا؟ السؤال مغر، لكنه سطحي. صحيح أن تكرار الخلط الجغرافي يثير تساؤلات حول التراجع الإدراكي، خصوصا مع تقدمه في السن، وقد أعاد ذلك الجدل الأميركي المزمن حول أهلية الرؤساء الذهنية. كما أشار مراقبون إلى سلسلة سابقة من الالتباسات، بينها خلطه بين أرمينيا وألبانيا، وغرينلاند وآيسلندا. لكن اختزال الظاهرة في التشخيص الطبي يُلت من فهم ما هو أخطر: ترامب ليس مجرد فرد؛ إنه أسلوب حكم.

إنه التعبير الأكثر اكتمالا عن زمن تحوّل فيه السياسي إلى مؤثر رقمي، والرئيس إلى خوارزمية إثارة، والدبلوماسية إلى برنامج تلفزيوني مباشر. السؤال إذن ليس إن كان ترامب يعاني من اضطراب ذهني، بل إن كان النظام الإعلامي العالمي نفسه قد أصبح مدمنا على هذا الاضطراب. المفارقة أن عُمان تحديدا ليست خصما لواشنطن، بل واحدة من أكثر القوى الخليجية هدوءا ووساطة، وغالبا ما لعبت دور القناة الخلفية بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، تحولت في خطاب ترامب فجأة إلى كيان قابل للتهديد والإبادة.

هنا يظهر العمق النفسي للخطاب الترامبي: حين تتضخم الذات الإمبراطورية، تتلاشى الفروق الدقيقة بين الحليف والخصم. الجميع يصبح مادة ضمن مشهد القوة الأميركية. إنه منطق القوة حين تفقد حساسيتها الأخلاقية والجغرافية معا. والعالم كما يراه ترامب العالم في المخيلة الترامبية ليس خريطة دول، بل شاشة مصارعة كبرى. هناك من يربح، ومن يهان، ومن يصفَّق له. أما اللغة، فلم تعد وسيلة تفسير،إنّما وسيلة صدمة. لهذا تبدو أخطاء ترامب أحيانا أكثر خطورة من تصريحاته المقصودة، لأنها تكشف اللاوعي العميق لإمبراطورية تتحدث قبل أن تفكر، وتهدد قبل أن تفهم، وتخلط بين البلدان كما لو أن العالم كله مجرد امتداد عصبي لغضبها. وفي تلك اللحظة تحديدا، لا يعود السؤال:«هل ترامب في صحة جيدة؟» بل يصبح السؤال الأكثر رعبا: ماذا لو كان هذا، بالفعل، هو الشكل الطبيعي الجديد للسلطة في القرن الحادي والعشرين؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *