بقلم زكية لعروسي, باريس
في أزمنة البعيدة، كانت الحروب تبدأ بقرع الطبول . أما اليوم، فإن العالم ينزلق نحو الهاوية بصمت إلكتروني: طائرة مسيّرة تعبر الليل كخفاش معدني، ضربة «دفاعية» تشعل بحرا كاملا، ورئيس يهدد بالسلام عبر القصف. أربع طائرات إيرانية أسقطت. قاعدة جنوب إيران ضربت قرب بندر عباس. هدنة تتشقق مرة أخرى تحت أقدام الدبلوماسيين. والعالم يحدق في الشاشات كمن ينتظر برقا يسبق نهاية أسطورة قديمة. لكن الحقيقة أن أحدا لم يعد يفهم شيئا بالكامل. لا السياسيون يفهمون إلى أين تمضي اللعبة. ولا الشعوب تعرف إن كانت تعيش سياسة أم مسرحا كونيا للفوضى. ولا حتى الفلاسفة أنفسهم، لو عادوا من قبورهم، كانوا سيملكون يقينا أمام هذا العالم الذي تحكمه الخوارزميات أكثر مما تحكمه الحكمة. لقد أصبحت السياسة الحديثة شيئا يشبه اللعنة. الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة نفط وصراعات. إنه المكان الذي تتعرى فيه أوهام القوة دائما. هنا مرّ الإسكندر فظن أنه أخضع العالم، ثم مات شابا كأن الصحراء ابتلعته بصمت. وهنا دخلت روما بثقة الخلود، ثم خرجت مثقلة بالأشباح. وهنا أيضًا تعلّمت الإمبراطوريات الحديثة – من لندن إلى واشنطن – أن الخرائط شيء، والسيطرة على التاريخ شيء آخر تماما. إن هذه الأرض تمتلك ذاكرة أقدم من الجيوش نفسها. ولهذا يبدو كل رئيس أمريكي يدخل الشرق الأوسط كأنه يدخل متاهة يونانية قديمة: كل خطوة تبدو عقلانية في البداية، ثم يتحول الطريق تدريجيا إلى قدر مظلم لا أحد يعرف نهايته.
ترامب ليس استثناء من ذلك. إنه فقط النسخة الأكثر صخبا ووضوحا من هذا التيه الإمبراطوري. في السياسة التقليدية، كان القادة يخفون اندفاعهم خلف لغة دبلوماسية باردة. أما ترامب، فقد حطم هذا القناع تماما. إنه يتصرف كأن السياسة العالمية طاولة قمار ضخمة في كازينو كوني. يضرب… ثم يفاوض. يهدد… ثم يتحدث عن السلام. يشعل النار… ثم يقدم نفسه رجل إطفاء. والغريب أن هذا الأسلوب، رغم فوضويته الظاهرة، ليس خاليا من المنطق. ترامب يفهم – بغريزة رجل الأعمال لا بحكمة الفلاسفة – أن العالم الحديث لم يعد يحكمه العقل وحده، بل الخوف والانتباه والصدمة الإعلامية. ولهذا فإن الفوضى عنده ليست خطأ دائما. بل أسلوب حكم. إنه يعيد، بصورة غريزية، إحياء ما عرفه نيكسون قديما بـ«نظرية الرجل المجنون»:اجعل خصومك يعتقدون أنك قد تفعل أي شيء، فيخافون من أسوأ الاحتمالات. لكن ترامب يذهب أبعد من ذلك؛ إنه لا يستخدم الجنون تكتيكا فقط، بل يحوله إلى هوية سياسية كاملة.

الإغريق القدماء امتلكوا كلمة مخيفة: «الهوبريس» . وهي ليست مجرد غرور، بل اللحظة التي يصاب فيها الإنسان بوهم أنه أكبر من قوانين العالم. في التراجيديات اليونانية، كان الأبطال يسقطون دائما بالطريقة نفسها: حين يظنون أنهم سيطروا على القدر. زيركسيس جلد البحر لأنه أغرق سفنه. أجاممنون ضحى بابنته كي تتحرك الرياح لصالحه. وأوديب حاول الهرب من نبوءته، فركض مباشرة نحوها. أليس هذا ما تفعله القوى الكبرى اليوم؟ الدول النووية تلعب بالنار كما لو أن الحروب يمكن التحكم بها عبر البيانات الصحفية. القادة يتحدثون عن «ضربات محدودة» وكأن التاريخ لم يعلمنا أن الحروب تبدأ دائما صغيرة ثم تتحول إلى وحوش مستقلة. في عام 1914، اعتقد الجميع أن الحرب الأوروبية ستكون قصيرة ومنطقية. ثم ولدت الخنادق، والغازات السامة، والمجازر الصناعية. الإنسان الحديث يمتلك تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين…لكن غرائزه السياسية ما تزال بدائية بصورة مرعبة.
لو كان دوستويفسكي حيا اليوم، لوجد مادته الروائية المثالية داخل غرف القرار العالمية. لأن السياسة الحديثة لم تعد عقلانية كما تدّعي. إنها أصبحت مزيجا من النرجسية الجماعية، والذعر الإعلامي، والفراغ الروحي. ترامب تحديدا يبدو أحيانا كشخصية خرجت من رواية «الشياطين»: رجل يمتلك حدسًا هائلا بالقوة النفسية للجماهير، لكنه محاط أيضا بعاصفة من التناقضات والاندفاعات والغرور الدرامي. إنه لا يخاطب الدول فقط، بل يخاطب الجهاز العصبي للعالم كله. كل تصريح عنده يشبه صدمة كهربائية إعلامية. كل تهديد يتحول إلى عرض كوني مباشر. والإعلام الحديث، مثل جوقة إغريقية هستيرية، يعيد تضخيم المشهد بلا توقف. المشكلة الأعمق ليست الحرب نفسها. بل انهيار المعنى. الكلمات لم تعد تشبه نفسها. القصف أصبح «دفاعا». والهدنة تعيش تحت الانفجارات. والسلام يصنع عبر التصعيد التدريجي. حتى اللغة السياسية نفسها بدأت تتفكك.
جورج أورويل تخيل هذا العالم في «1984»، لكنه ربما لم يتصور أن البشرية ستصل إلى مرحلة يصبح فيها التشويش ذاته نظام حكم عالمي. اليوم، المواطن العادي يعيش داخل طوفان من الأزمات المتزامنة: إيران، أوكرانيا، الذكاء الاصطناعي، المناخ، التضخم، الانهيارات الاقتصادية، الحروب الرقمية. العقل البشري، المصمم لفهم القرى والفصول الزراعية، يحاول الآن تفسير كوكب كامل يشتعل بالمعلومات والذعر والتناقضات. ولهذا يشعر الناس بشيء غريب جدا: نحن نعرف كل الأخبار…لكننا لم نعد نفهم العالم. قال العرب قديما: «من ركب النمر خاف أن ينزل عنه». وهذا بالضبط ما حدث للإمبراطوريات الحديثة. الولايات المتحدة لا تستطيع مغادرة الشرق الأوسط بالكامل. وإيران لا تستطيع الخروج من منطق المواجهة. وإسرائيل تعيش داخل يقظة وجودية دائمة. والخليج يتحرك بين الثروة والخوف والقلق من المستقبل. كل طرف يتصرف بعقلانية تكتيكية قصيرة المدى. لكن النتيجة الجماعية تبدو كجنون شامل.
وهنا تكمن لعنة السياسة الحديثة: أن الأنظمة أصبحت أعقد من قدرة البشر أنفسهم على التحكم بها. في التراجيديات الإغريقية، كان الأبطال يدركون الحقيقة غالبًا بعد فوات الأوان. أما نحن، فنعيش ربما داخل تلك اللحظة نفسها. الطائرات المسيّرة تعبر ليل الخليج. حاملات الطائرات تتحرك فوق مياه مشبعة بالصواريخ. والأسواق العالمية تراهن على احتمالات الحرب كما تراهن على أسعار النفط. والبشرية كلها تسير داخل متاهة جيوسياسية لم يعد أحد يمتلك خريطتها. وربما ليست المشكلة فقط في جنون بعض القادة. ربما المشكلة الأعمق أن الحضارة الحديثة أصبحت قوية تقنيًا إلى درجة تفوق حكمتها الأخلاقية. لقد صنع الإنسان آلات مذهلة…لكنه لم يتعلم بعد كيف يسيطر على ظلامه الداخلي. وهكذا يقف العالم اليوم، مثل بطل روسي حزين في رواية عظيمة، فوق حافة هاوية، يحدق في النار، ويتساءل بصوت مرتجف: كيف وصلنا إلى هنا؟
📲 Partager sur WhatsApp