ماذا يحدث حين تتكلم الرياضيات لغة الباسك؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في صباح يبدو عاديا على الورق، لكنه استثنائي في طبقات التاريخ العميقة، لا يدخل تلميذ الباسك إلى قاعة امتحان الرياضيات حاملا قلما وورقة فحسب؛ إنه يدخل مصحوبا بقرون من الذاكرة، وأصوات الجبال المطلة على خليج بسكاي، وظلال لغة نجت من انقراضات الإمبراطوريات، وعبرت العصور مثل حجر قديم لم تفلح العواصف في محو نقوشه. هنا لا تصبح الرياضيات مجرد معادلات، ولا البكالوريا مجرد استحقاق تربوي. فجأة تتحول ورقة الامتحان إلى مسرح صامت تتواجه فوقه فكرتان عن الأمة: أمة ترى الوحدة في مركز لغوي واحد، وأمة ترى أن الوحدة الحقيقية قادرة على استيعاب تعدد الأصوات دون أن تخشى التشظي.

إن الجدل الدائر حول إمكانية اجتياز بعض الاختبارات باللغة الباسكية لا يتعلق، في جوهره، باللغة ذاتها. فالباسكية ليست مجرد أداة للتواصل. إنها سؤال سياسي متخف في هيئة مفردات، وسؤال فلسفي يرتدي قناعا تربويا. الدول الحديثة بنت نفسها غالبا عبر توحيد اللغة. فرنسا نفسها كانت إحدى أعظم الورشات التاريخية في صناعة اللغة الوطنية. فمنذ الثورة الفرنسية جرى النظر إلى اللغات الجهوية باعتبارها بقايا جغرافية ينبغي أن تذوب داخل الفضاء الجمهوري الواحد. لكن القرن الحادي والعشرين جاء بأسئلة جديدة. فهل الوحدة تعني التطابق؟ وهل المساواة تقتضي أن يتحدث الجميع اللغة نفسها، أم أن المساواة الحقيقية تسمح لكل مواطن أن يحمل لغته الخاصة إلى المجال العام دون أن يفقد انتماءه الوطني؟

في هذا المعنى، يبدو الجدل حول البكالوريا الباسكية كأنه مواجهة بين فلسفتين للدولة. الأولى تنتمي إلى عصر بناء الأمم المركزية، حيث اللغة المشتركة هي الإسمنت الذي يربط الجدران. والثانية تنتمي إلى عصر الهويات المركبة، حيث يمكن للفرد أن يكون فرنسيا كاملا وباسكيا كاملا في الوقت نفسه دون تناقض. رياضيات نيوتن لا تختلف إذا كتبت بالفرنسية أو بالباسكية أو بالعربية. لكن الدولة لا تنظر فقط إلى مضمون المعرفة، بل إلى الرموز التي تحيط بها. فالاعتراف بإمكانية إنجاز اختبار وطني بلغة جهوية يحمل رسالة تتجاوز الامتحان نفسه: إنه اعتراف بأن المعرفة ليست حكرا على لغة مركزية واحدة، وأن الشرعية الثقافية يمكن أن تتوزع بين أكثر من لسان.

ومن هنا ينبع القلق لدى بعض المدافعين عن النموذج الجمهوري التقليدي. إنهم لا يخشون الرياضيات، بل يخشون السابقة. فالسوابق السياسية تشبه الشقوق الصغيرة في الجدار؛ لا يلفت الانتباه حجمها الأولي، بل المسارات التي قد تفتحها مستقبلا. هل سيفتح ذلك الباب أمام لغات جهوية أخرى؟ الجواب الواقعي: نعم، على الأرجح. فإذا ترسخ مبدأ السماح لبعض التلاميذ باجتياز اختبارات وطنية بلغات جهوية نتيجة مسار تعليمي متكامل، فإن لغات أخرى ستطالب بالمعاملة نفسها. ستظهر أسئلة تخص:

– البريتونية في غرب فرنسا

– الكورسيكية في جزيرة كورسيكا

– الأوكسيتانية في الجنوب

– الكاتالونية في الشرق المتوسطي

– الألزاسية في الشرق

لكن هذا لا يعني بالضرورة تفكك النظام التعليمي أو انهيار الوحدة الوطنية. فالرهان الحقيقي هو مؤسساتي: هل تستطيع الدولة وضع قواعد دقيقة تجعل التعدد اللغوي جزءا من النظام بدلا من أن يتحول إلى استثناء دائم أو مصدر نزاع مستمر؟ في الظاهر، يبدو الأمر شأنا تربويا. في العمق، نحن أمام مختبر سياسي بالغ الحساسية. فالمدرسة ليست مؤسسة لنقل المعرفة فقط؛ إنها المصنع الذي تنتج فيه الدولة صورتها عن نفسها. وعندما تسمح دولة ما للغات المحلية بالدخول إلى الامتحانات الوطنية، فإنها تعيد تعريف علاقتها بالهوية والذاكرة والتنوع.

ولهذا تبدو القضية أكبر بكثير من عدد التلاميذ المعنيين بها. إنها تتعلق بالسؤال القديم الذي لم تتوقف أوروبا عن طرحه منذ قرنين: كيف يمكن بناء وحدة سياسية لا تلتهم التعدد الثقافي؟ المفارقة أن قوة الدول المعاصرة لم تعد تقاس بقدرتها على صهر الفوارق بقدر ما تقاس بقدرتها على إدارتها. ففي الماضي كانت الدولة القوية هي التي تجعل الجميع يتحدثون اللغة نفسها. أما اليوم فالدولة القوية ربما هي التي تستطيع أن تجعل مواطنيها يتحدثون لغات مختلفة، بينما يظلون يؤمنون بالمصير الوطني ذاته. من هذه الزاوية، لا تبدو اللغة الباسكية ضيفا طارئا على البكالوريا…إنّها تكشف التحولات العميقة التي تعيشها الديمقراطيات الأوروبية كلها. فالمسألة ليست: بأيّ لغة سيكتب امتحان الرياضيات؟ المسألة الأعمق هي: بأي لغة ستكتب أوروبا القادمة عقدها الجديد بين الوحدة والتنوع؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *