الكرة: العنف الذي يتبع المباريات الكبرى

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كل مرة ترتفع فيها كأس نحو السماء، يبدو أن شيئا آخر يسقط على الأرض. وبينما تتلألأ الألعاب النارية فوق المدن، تتشقق في الأسفل واجهات المحال، وتحترق السيارات، ويتحول بعض الشوارع إلى مسارح صغيرة للفوضى. كأن كرة القدم، تلك الكرة البيضاء التي يفترض أن تجمع البشر حول نشيد واحد، تخرج من أعماق المجتمعات أشباحا أخرى لا علاقة لها باللعب ولا بالجمال. بعد تتويج باريس سان جيرمان بطلا لأوروبا، خرجت ملايين القلوب إلى الاحتفال. لكن وسط هذا البحر البشري ظهرت الجزر السوداء المعتادة: أعمال تخريب، اشتباكات، ومشاهد عنف اجتاحت الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح يتكرر بعد كل مباراة كبرى: لماذا يحتاج بعض الشباب إلى العنف كي يحتفلوا؟ ما الذي يجعل النشوة تتحول إلى تكسير؟ والفرح إلى حريق؟

من السهل اتهام كرة القدم. لكنها في الحقيقة ليست سوى مرآة ضخمة. الكرة لا تصنع الغضب، بل تكشفه. لا تخلق العنف، بل تمنحه مناسبة للظهور. ففي لحظة الانتصار الجماعي تذوب الحدود الفردية، ويشعر الإنسان بأنه جزء من كتلة هائلة. وحين تذوب المسؤولية الفردية داخل الحشد، يصبح ما كان مستحيلا على الفرد ممكنا للجماعة. وصف عالم الاجتماع الفرنسي الراحل غوستاف لوبون الحشود بأنها كائن جديد يولد من اجتماع الأفراد؛ كائن أقل عقلانية وأكثر اندفاعا. وما نشهده أحيانا بعد المباريات ليس انتصار المشجع على خصمه، بل انتصار الحشد على الفرد. فهل ما جرى انتقام طبقي أم صرخة هوية؟

هناك من يرى في هذه الأحداث وجها من وجوه الاحتجاج الاجتماعي المقنّع. ففي بعض الأحياء المهمشة، حيث تتراكم مشاعر الإقصاء والبطالة وانسداد الأفق، تصبح المباراة مناسبة نادرة للشعور بالقوة والانتماء. وعندما يختلط الفرح بالإحباط المزمن، يتحول الاحتفال أحيانا إلى انفجار. ليس ضد الفريق المنافس، بل ضد العالم كله. غير أن تفسير العنف بالطبقة وحدها يظل قاصرا. فالغالبية الساحقة من أبناء الأحياء الفقيرة لا تحرق ولا تخرب. كما أن العنف يوجد في مجتمعات غنية ومرفهة أيضا. المسألة أعمق من الاقتصاد؛ إنها تتعلق بالشعور بالمكانة والاعتراف والمعنى. في زمن يشعر فيه كثير من الشباب أنهم غير مرئيين، يصبح الشارع منصة لإعلان الوجود. وكل نافذة مكسورة تتحول، في مخيلتهم، إلى رسالة تقول: “ها نحن هنا.”

في الماضي كان المشاغب يبحث عن الهروب من الكاميرا. أما اليوم فإنه يبحث عنها. لقد أضافت الشبكات الاجتماعية عنصرا جديدا إلى معادلة العنف: العرض. لم يعد الفعل يكفي، بل يجب تصويره ونشره وحصد الإعجابات بسببه. وكأن بعض الشباب لم يعودوا يعيشون الحدث، بل يمثلونه أمام جمهور رقمي لا ينتهي. تتحول السيارة المحترقة إلى خلفية لصورة، ويصبح الاشتباك محتوى، ويتحول التخريب إلى مشهد استعراضي. هنا لا تعود الفوضى مجرد انفلات أمني؛ إنها أيضا اقتصاد رمزي يمنح صاحبه دقائق من الشهرة في عالم يعاني فيه كثيرون من الشعور بالتهميش. لكن أين الآباء من كلّ هذا؟

هذا السؤال يثير حساسية كبيرة، لكنه يظل ضروريا. ليس من العدل تحميل الآباء وحدهم مسؤولية كل انحراف شبابي. فالتربية لم تعد تتم داخل المنزل فقط. المدرسة، والشارع، والهواتف الذكية، وخوارزميات المنصات، والمؤثرون المجهولون، جميعهم يشاركون اليوم في صناعة الشخصية. ومع ذلك، لا يمكن إعفاء الأسرة من دورها المركزي. كان عالم النفس البريطاني جون بولبي يرى أن الإحساس بالأمان الأخلاقي يبدأ من الروابط الأولى داخل العائلة. فيما شدد العديد من الباحثين في علم الاجتماع التربوي على أن غياب الحدود الواضحة والقدوة المستقرة يترك فراغا يسارع الشارع أو الإنترنت إلى ملئه. إن الشاب الذي يتعلم منذ طفولته أن الحرية مرتبطة بالمسؤولية، وأن الفرح لا يبرر الإيذاء، وأن القوة لا تعني التخريب، يحمل معه هذه القيم إلى المدرجات والشوارع. أما حين تغيب هذه البوصلة، فإن أول حشد صاخب قد يصبح بديلا عن الأسرة، وأول مؤثر رقمي بديلا عن الأب. فهل نحن أمام أزمة تربية أم أزمة حضارة؟

ربما نخطئ عندما نحصر المشكلة في الشباب وحدهم. فالعنف الذي يظهر بعد المباريات ليس ظاهرة شبابية خالصة، بل انعكاس لعالم يمجد الإثارة أكثر مما يمجد الحكمة. عالم يكافئ الصدمة أكثر مما يكافئ المسؤولية. عالم تمنح فيه المشاهد الأكثر فوضوية أعلى نسب المشاهدة. إن الشباب يقلّدون أحيانا ما يرونه حولهم: في السياسة، وفي الإعلام، وفي الخطاب العام. فإذا كانت المجتمعات تحتفي بالصخب، فلماذا نتفاجأ حين يختار بعض أبنائها التعبير بالصخب؟ كرة القدم في أصلها احتفال جمالي نادر. إنها الفن الوحيد الذي يمكن أن يجعل ملايين الغرباء يصرخون في اللحظة نفسها. لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول من لعبة إلى وعاء تسكب فيه كل الإحباطات المكبوتة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تحدث الفوضى بعد المباريات فقط، بل لماذا يحمل بعض الشباب كل هذا الغضب إلى المباراة أصلا؟ عندما نجد جوابا عن هذا السؤال، سنفهم أن السيارة المحترقة ليست بداية القصة، بل نهايتها. وأن الشغب ليس المرض، بل أحد أعراضه. وفي تلك اللحظة ربما تعود الكرة إلى ما خلقت له: مساحة للفرح الإنساني، لا ذريعة لإطلاق الوحوش النائمة في أعماق المدن.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *