بقلم زكية لعروسي, باريس
في القديم، كان الناس إذا سمعوا دويّ الرعد نسبوه إلى غضب الآلهة، وإذا كسفت الشمس رأوا في الظلام نبوءة لانهيار العالم. لم يكن ذلك لأنهم أغبياء، بل لأن العقل البشري يكره الفراغ. بين المجهول والتفسير الخاطئ، يختار الإنسان غالبا التفسير الخاطئ لأنه يمنحه شعورا زائفا بالسيطرة. اليوم، تغيرت الأدوات ولم تتغير البنية العميقة للنفس البشرية. لم يعد الكاهن يقف على عتبة المعبد، بل يقف المؤثر على منصة رقمية. ولم تعد الأسطورة تنقش على ألواح الطين، بل تنشر في منشور لا يتجاوز بضعة أسطر. ولم تعد الشائعة تحتاج إلى قافلة تعبر الصحارى، بل إلى إصبع يضغط زر “المشاركة”. ومن هنا تبدأ الحكاية.
حين انتشرت على شبكات التواصل مزاعم تربط كلمة “هنتافيروس” باللغة العبرية، وتدّعي أن الإسم ذاته دليل على مؤامرة إسرائيلية، لم تكن القضية اللغوية هي جوهر المسألة. فالمشكلة لم تكن في أصل الكلمة، بل في أصل الرغبة في تصديقها. إننا أمام ظاهرة أعمق من مجرد معلومة خاطئة. نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”عقلية الاكتشاف الوهمي”، تلك النزعة التي تجعل الإنسان يشعر بلذة خاصة عندما يعتقد أنه اكتشف سرا خفيا لم يدركه الآخرون. فالمؤامرة لا تمنح أتباعها تفسيرا للأحداث فحسب، بل تمنحهم أيضا امتيازا نفسيا: الشعور بأنهم أقلية مستنيرة وسط أغلبية مخدوعة. وهنا تكمن جاذبيتها الخطيرة.
الفيلسوف البريطاني كارل بوبر تحدث عن ما أسماه “نظرية المؤامرة في المجتمع”، وهي الاعتقاد بأن كل حدث كبير لا بد أن يكون نتيجة تخطيط سري من قوى خفية. غير أن التاريخ يعلّمنا شيئا مختلفا تماما: معظم الكوارث البشرية لم تنتج عن عبقرية شريرة، بل عن أخطاء بشرية عادية، وعن الفوضى، وسوء التقدير، وتداخل المصالح. إن العقل المؤامراتي لا يحتمل فكرة الصدفة، ولا يقبل تعقيد الواقع. فالعالم بالنسبة له يجب أن يكون رواية بوليسية متقنة الحبكة، لا شبكة متداخلة من الأسباب والاحتمالات.
في تراثنا العربي أمثلة بليغة تكشف هذا الميل القديم. كان العرب يقولون: “كذب المنجمون ولو صدقوا”. ولم يكن المثل هجوما على علم الفلك، بل على ادعاء امتلاك مفاتيح الغيب. ويقول المثل أيضا: “إذا عرف السبب بطل العجب”. لكن العقل المؤامراتي يقلب الحكمة رأسا على عقب؛ فهو كلّما ظهر السبب الحقيقي ازداد تعلّقا بالعجب. تقول له الدراسات العلمية إن الفيروسات تنشأ بآليات بيولوجية معقّدة، فيجيبك بأن العلماء جزء من المؤامرة. وتشرح له اللغات أصل المصطلحات، فيعتبر القواميس متواطئة. وتعرض عليه الأدلة، فيرى فيها دليلا إضافيا على التستّر. وهكذا يتحول الشك المشروع إلى يقين مرضي.
إن أخطر ما في نظريات المؤامرة الصحية ليس خطأها المعرفي فقط، بل أثرها الأخلاقي. فحين يقنع شخص آلاف الناس بأن مرضًا ما مجرد خدعة، أو أن اللّقاحات مؤامرة، أو أن الأوبئة صناعة مقصودة، فإنه لا يعبث بالأفكار فحسب؛ بل يعبث بالأجساد والأرواح والحيوات. في هذه اللحظة يغادر الوهم مجال الرأي ويدخل مجال الضّرر. ولذلك فإن الكذب في ميدان الصحة ليس كالكذب في أي ميدان آخر. إنه يشبه وضع لافتة مزيفة على طريق النجاة تشير إلى الهاوية.

لكن السؤال الأكثر إلحاحا ليس: لماذا تنتشر المؤامرات؟ بل: لماذا تجد جمهورا متعطشا إلى هذا الحد؟ ربما لأن عصرنا يعيش مفارقة عجيبة. فلم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا الكم الهائل من المعلومات، ولم يسبق لها أيضا أن شعرت بهذا القدر من الضياع. إن وفرة المعرفة لا تنتج الحكمة تلقائيا. بل قد تنتج ضجيجا هائلا يجعل الحقيقة مجرد همسة وسط عاصفة. وفي هذه البيئة تزدهر المؤامرة كما تزدهر الفطريات في الرطوبة. فهل نحن إذن أمام “عقول خراب”؟ قد يكون الوصف قاسيا. فكثير من المؤمنين بالمؤامرات ليسوا أشرارا ولا حمقى، بل أفرادا يبحثون عن المعنى وسط عالم مضطرب. غير أن الخطر يبدأ حين يفقد العقل ميزان الحكمة. والحكمة ليست كثرة المعلومات. الحكمة هي القدرة على التمييز بين الشك المنهجي والارتياب المرضي، بين السؤال الذكي والاتهام المجاني، بين البحث عن الحقيقة والرغبة في امتلاكها قبل العثور عليها.
إن التحدي الحضاري في القرن الحادي والعشرين لم يعد نقص المعرفة، بل إدارة المعرفة. لم يعد السؤال: كيف نصل إلى المعلومة؟ بل: كيف نميز بين المعلومة والسراب؟ ففي عالم تتكاثر فيه الشاشات وتتناسل فيه الخوارزميات وتتنافس فيه الروايات، تصبح الحكمة أندر من البيانات، ويصبح التفكير النقدي أثمن من الذهب. وعندها فقط ندرك أن المعركة الحقيقية ليست بين الحقيقة والكذب. بل بين التواضع المعرفي وغرور اليقين. وبين عقل يسأل: “كيف نعرف؟” وعقل يصرخ: “أنا أعرف”. ومن بين هذين العقلين يتحدد مصير المجال العام، وصحة المجتمعات، وربما مستقبل الحضارة نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp