“نورونات تتكيّف مع ألعاب فيديو “دوم

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك مشهدان مرّا في الأخبار كأنهما لا يلتقيان أبدا. في الأول، داخل مختبر أسترالي شديد البرودة والدقة، تجلس مئات الآلاف من الخلايا العصبية البشرية فوق شريحة من السيليكون، تتعلم كيف تصوّب نحو وحوش لعبة دوم الإلكترونية، تلك الأسطورة الرقمية التي خرجت من تسعينيات القرن الماضي. نورونات حيّة تتعلم، تتكيّف، وتطوّر أداءها داخل عالم افتراضي من الجدران والمتاهات والأسلحة. وفي المشهد الثاني، تجلس طفلة إسمها أديل على طرف الحياة، تحاول أن تفاوض جسدها كل صباح. طفلة أصيبت ألياف عصبية في دماغها المبكّر بأذى جعل الحركة بالنسبة إليها مشروعا يوميا شاقا. لا تبحث عن هزيمة وحوش رقمية، بل عن انتصار أكثر تواضعا وأشد بطولة: خطوة أكثر توازنا، كلمة أكثر وضوحا، استقلالية أكبر في عالم لا يرحم البطء.

بين المشهدين مسافة جغرافية هائلة. لكن بينهما أيضا سؤال فلسفي مرعب: هل نحن نتعلم كيف نجعل الخلايا العصبية تلعب، قبل أن نتعلم كيف نجعلها تشفى؟ وهل أصبحنا نبرع في تسلية الدماغ أكثر مما نبرع في ترميمه؟ من السهل أن ينخدع المرء ببريق العناوين. نورونات تلعب ألعاب الفيديو…عبارة تبدو كأنها خرجت من رواية خيال علمي كتبها أحد تلامذة إسحاق أسيموف. لكن خلف الإدهاش تكمن حقيقة علميّة أكثر تعقيدا. فهذا البحث لا يهدف إلى صناعة لاعبين إلكترونيين من الخلايا العصبي، بل إلى فهم آليات التعلم والتكيف العصبي. إنه محاولة لرؤية الدماغ وهو يفكر، لا وهو يتسلى. ومع ذلك، يبقى السؤال الأخلاقي والفلسفي قائما: كيف نحدد أولويات المعرفة؟ هل قيمة الاكتشاف العلمي هي بما يكشفه من أسرار، أم بما يخفّفه من معاناة؟

في تراثنا العربي حكمة قديمة تقول: العلم بلا عمل كشجر بلا ثمر. ولعلّها من أكثر العبارات قدرة على ملامسة جوهر هذا النقاش. فالعلم الذي يكشف لنا أسرار التعلم العصبي عظيم بلا شك. لكن عظمته الحقيقية تتجلى عندما تتحول تلك الأسرار إلى علاج لطفل فقد القدرة على المشي، أو إلى وسيلة تعيد النطق لمن تعثّر لسانه بسبب إصابة دماغية، أو إلى تقنيّة تساعد مريضا على استعادة استقلاله. العلم ليس متحفا للمعجزات. العلم جسر بين الفهم والرحمة.

إن قصة أديل تكشف جانبا آخر من السؤال الحضاري. فالطفلة لا تعاني من نقص في الشجاعة. هي تعاني من محدوديّة ما نملكه حتى الآن من أدوات لإصلاح الدماغ. ورغم التقدّم الهائل في علوم الأعصاب، ما زال الدماغ أشبه بمجرة داخل الجمجمة. نعرف الكثير عن نجومها. لكنّنا ما زلنا نجهل خرائط واسعة من فضائها. لهذا السبب تبدو التجارب التي تزرع الخلايا العصبيّة فوق الرقائق الإلكترونية واعدة إلى هذا الحدّ. فهي قد تمثل خطوة أولى لفهم آليّات اللّدونة العصبية، أي قدرة الدماغ على إعادة تشكيل نفسه. واللّدونة العصبية هي الأمل الأكبر لكل طفل يشبه أديل.

لكن ثمة مفارقة حضارية لا يمكن تجاهلها. لقد امتلأت أسواقنا بالألعاب الإلكترونية. وتحوّلت الشاشات إلى بيئة يعيش فيها ملايين الأطفال ساعات أطول مما يعيشون في الحدائق أو المكتبات. وفي الوقت نفسه، تزداد الأسئلة حول الانتباه والتركيز والصحة النفسية والتوازن المعرفي. لسنا أمام إدانة للألعاب. فالألعاب في ذاتها ليست شيطانا رقميا. لقد أثبتت أبحاث كثيرة قدرتها على تطوير بعض المهارات الإدراكية والتنسيق البصري الحركي. غير أن الحضارة التي تجعل أبناءها يقضون آلاف الساعات في تدريب أصابعهم، بينما تقلّص تدريجيا مساحات تدريب الخيال والتأمّل والقراءة، إنما تخلق اختلالا لا بدّ أن يظهر يوما ما.

كان الفيلسوف هايدغر يحذّر من أن التقنية ليست مجرد أدوات، بل طريقة ننظر بها إلى العالم. وهنا يكمن جوهر المسألة. ليست المشكلة أن نورونات تتعلم لعبة فيديو. المشكلة إذا أصبح الإنسان نفسه ينظر إلى عقله باعتباره مجرد منصة تشغيل. مجرد معالج بيانات. مجرد آلة أسرع قليلا من الآلات الأخرى. فالدماغ ليس فقط جهازا للتعلم. إنه موطن الأحلام واللغة والحبّ والذاكرة والألم والجمال. لذلك فإن الرّبط بين مختبر أسترالي وطفلة فرنسية ليس ضربا من البلاغة الصحفية. إنه سؤال حضاري عميق. حين ننجح في تعليم الخلايا العصبية كيفية التصويب داخل لعبة، هل سننجح غدا في إعادة بناء الشبكات العصبية التي دمرتها السّكتات الدّماغية؟ حين نفهم كيف تتعلّم هذه الخلايا، هل سنفهم كيف نعيد إليها ما فقدته؟ حين نكتشف أسرار المرونة العصبية، هل سنحوّلها إلى أمل للمرضى أم إلى سوق جديدة للترفيه؟

ربما لسنا أمام خيار بين التّرفيه والعلاج. فالعلم الحقيقي لا يتحرك في خطوط مستقيمة. كثير من الاكتشافات العظيمة بدأت بأسئلة بلا فائدة عملية مباشرة. لكنّ الحضارات توزن بالوجهة التي تقود إليها معارفها. هل تقودها نحو مزيد من الاستهلاك؟ أم نحو مزيد من التحرّر من الألم؟ ولهذا فإن الصّورة الأبلغ ليست صورة نورونات تلعب دوم. وليست صورة طفلة تتحدّى إعاقتها. بل الصورة التي لم تُلتقط بعد. صورة اليوم الذي تتحوّل فيه تلك المعارف العصبية الجديدة إلى يد تمتد نحو طفل ينتظر فرصة للحركة، أو نحو مريض ينتظر فرصة للكلام، أو نحو إنسان ينتظر فرصة لاستعادة ذاته. عندها فقط لن يكون السؤال: هل علّمنا الخلايا كيف تلعب؟ بل سيكون: هل تعلّمنا نحن كيف نجعل العلم أكثر إنسانية؟ وهناك، عند تلك النقطة الفاصلة بين المختبر والضمير، يبدأ المعنى الحقيقي للتقدم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *