هل تغيّر ستة أشهر انتصارا في مواجهة السرطان؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

يبدو الحديث عن ستة أشهر إضافية في المجال الطبّي من الحياة وكأنه رقم متواضع. لكن هل يجب ربط هذا الزمن بالأرقام فقط؟ أم أن الأشهر الستة قد تختزل أحيانًا عمرًا كاملًا من الذكريات والوداعات والأحلام المؤجلة؟ الإعلان عن النتائج الواعدة لدواء Daraxonrasib في علاج سرطان البنكرياس النقيلي لا يطرح سؤالا طبيا فحسب، بل يفرض علينا إعادة التفكير في علاقتنا بالحياة والمرض والزمن. فحين يتمكن علاج جديد من مضاعفة متوسط البقاء على قيد الحياة من نحو سبعة أشهر إلى أكثر من ثلاثة عشر شهرا، فإن القضية لا تتعلّق بإحصائية باردة، بل بتحول فلسفي عميق في معنى الأمل نفسه.

لقد ظل سرطان البنكرياس لعقود طويلة رمزا لقسوة المرض وحدود الطبّ. كان الأطباء يعرفون أن طفرة جين كْراسْ تقف خلف الغالبية الساحقة من الحالات، لكن المعرفة وحدها لم تكن كافية. كانت البشرية ترى العدو بوضوح، لكنها تعجز عن إصابته. فهل نحن اليوم أمام لحظة انتصار للعقل العلمي على إحدى أكثر الحصون البيولوجية استعصاء؟ غير أن السؤال الأكثر إلحاحا ربما يكمن في مكان آخر: هل يكفي أن نربح الوقت، أم أننا بحاجة إلى إعادة تعريف النصر في معركة السرطان؟ لطالما ارتبط مفهوم الشفاء في المخيلة الجماعية بالقضاء الكامل على المرض. لكن الطب الحديث يبدو وكأنه يقترح تصورا مختلفا؛ ليس الانتصار دائمًا في إلغاء الموت، بل في تأجيله، وليس في هزيمة المرض نهائيا، بل في تحويله من حكم بالإعدام إلى حالة يمكن التعايش معها. أليس هذا ما حدث سابقا مع أمراض كانت تعد قاتلة حتما ثم أصبحت مزمنة يمكن التحكم بها؟

ومع ذلك، فإن الحماس العلمي لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الكبرى. ماذا لو كان هذا الدواء مجرد بداية لعصر جديد من العلاجات الموجهة ضد طفرات كْراسْ؟ ماذا لو تحولت النتائج الحالية إلى منصّة تنطلق منها علاجات أكثر فعالية لسرطانات الرئة والقولون وسواها؟ وهل يمكن أن يكون ما نراه اليوم هو الشرارة الأولى لثورة علاجية ستعيد رسم خريطة علم الأورام خلال العقد المقبل؟

إن التاريخ يعلمنا أن الثورات الطبية لا تأتي عادة على هيئة معجزات مفاجئة، بل عبر تراكم إنجازات تبدو صغيرة في لحظتها. فكلّ خطوة كانت في بدايتها مجرّد رقم جديد في دراسة سريرية، قبل أن تصبح لاحقا فصلا جديدا في تاريخ الطبّ. وهنا تتجلى المفارقة المدهشة: ستة أشهر فقط قد تبدو ضئيلة في حساب الزمن الكوني، لكنها بالنسبة لمريض ينتظر ميلاد حفيده، أو يرغب في إتمام مشروعه الأخير، أو يتمنى أن يقول كلمة أخيرة لأحبائه، قد تكون أثمن من سنوات بأكملها. ربما لا يكمن الإنجاز الحقيقي لهذا الدواء في عدد الأشهر التي يضيفها إلى الحياة، بل في الأسئلة التي يفرضها علينا: ما قيمة الوقت؟ وما معنى الأمل؟ ومتى يصبح التقدم العلمي انتصارًا إنسانيًا قبل أن يكون إنجازا طبيا؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *