رواية الجدّة التي كتبتها عجلات أربع

بقلم زكية لعروسي, باريس

لا شيء يبدو أكثر يقينا من آلة لا تضحك. الرّادار واحد من هذه الكائنات المعدنية التي تعيش على حافة الطرق، تتغذى على الكيلومترات الزائدة، وتقتات من أخطاء العجلة البشرية. إنه عين بلا جفن، وقاض بلا مزاج، وموظف بيروقراطي لا يعرف معنى النكتة. لكن التاريخ، منذ أن كان التاريخ مجرد إشاعة تتناقلها الرياح، يحب أن يسخر من اليقين. في مدينة أوسكيرشين الألمانية، خرجت امرأة مسنّة تتكئ على مشيتها كما يتكئ الزمن على عصاه. لم تكن في طريقها إلى ثورة، ولا إلى معركة، ولا حتى إلى موعد مع المجد الرقمي. كانت تدفع أمامها ذلك الاختراع الفلسفي المسمّى الديامبولاتور أو المشّاية ذات العجلات، ذلك الكائن الهجين بين العربة والحكمة.

وفي اللّحظة نفسها التي قرر فيها سائق شاحنة صغيرة أن يختبر حدود الصبر القانوني بسرعة بلغت 42 كيلومترا في الساعة داخل منطقة لا تسمح إلا بثلاثين، انشقت المصادفة عن ابتسامتها النادرة. ضغط الرادار على زرّ الخلود. وانزلق الضوء. وانطبعت الصورة. لكن اللوحة المعدنية للشاحنة اختفت خلف الجدة. فإذا بالقانون يرى الإنسان ولا يرى المركبة. وإذا بالآلة تصطدم للمرة الألف بالحكاية. الطريف أن بطلة المشهد لم تكن تركض. لم تكن تقفز. لم تكن تنافس العداء الأسطوري إيسان بولط كما مازحت الشرطة. كانت تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الحكمة حين تتأخر عن العالم.

وهنا تكمن المفارقة التي كان سيعشقها الجاحظ لو عثر عليها بين نوادره. فالسائق الذي تجاوز الحد المسموح به أنقذته امرأة تمثل النقيض الكامل لفكرة السرعة. كأن الزمن قرر أن يعاقب العجلة بواسطة البطء نفسه. وكأن المشّاية تحولت إلى درع أسطوري خرج من ملحمة كوميدية لا من متجر للمستلزمات الطبية. لو كتب الجاحظ هذه الواقعة لربما قال إن المرأة لم تكن تدفع المشّاية، بل كانت المشّاية تدفع القدر. وأن الشاحنة لم تحجب بلوح من الحديد، بل بحكمة الشيب التي مرت بين الضوء والهدف، كما تمر نكتة ذكية بين خصمين متخاصمين.

الفلاسفة يحبون الحديث عن النظام. أما الحياة فتعشق التخريب. كل شيء في الحادثة كان معدّاً لإنتاج غرامة مالية: شارع، سرعة، كاميرا، قانون، ولوحة تسجيل. لكن عنصراً صغيراً خرج من النص. امرأة. خطوات بطيئة. مشّاية. فتحوّل التقرير الإداري إلى قصة يتداولها الناس. وهنا يكمن سرّ الحكايات العظيمة: أنها تبدأ دائما بفشل صغير في عمل الآلات. الرادار أراد رقما. والناس وجدوا رواية. الشرطة أرادت مخالفة. والإنترنت وجد بطلة. والسائق أراد الوصول بسرعة. فوجد نفسه مديناً لامرأة تسير بسرعة التأمل.

لو نظر اقتصادي إلى الصورة لقال إن الجدة حققت تدخلا ماليا غير مباشر في ميزانية مواطن ألماني. لقد أنقذت جزءا من جيبه دون أن تعرف اسمه. لم تقدّم قرضا. لم توقّع وثيقة. لم تؤسس صندوق إنقاذ. كل ما فعلته أنها مشت. إنها نسخة إنسانية من الإعفاء الضريبي المفاجئ. وربما لهذا أحب الناس القصة. ففي عصر تحصي فيه الخوارزميات أنفاس البشر، جاءت امرأة مسنّة لتذكّر الجميع بأن المصادفة ما زالت تملك حق النقض.

ليست هذه الحكاية عن مخالفة مرور. إنها عن الصراع الأبدي بين الحساب والحياة. بين الكاميرا والقصة. بين السرعة والبطء. بين آلة تعرف كل شيء تقريبا، وإنسانة لا تريد أن تعرف شيئا سوى الطريق إلى بيتها. ولعل أجمل ما في الصورة أن بطلتها لم تطلب بطولة. فالأبطال الحقيقيون، كما تعلمنا الروايات الذكية، لا يعرفون غالباً أنهم أبطال. إنهم يعبرون المشهد فقط. ثم يتركون العالم منشغلا بتأويل آثار أقدامهم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *