الطائرات المسيّرة: فلسفة أمن رياضي بالمغرب؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة لحظات لا يكون فيها الخبر مجرد خبر، بل علامة على تحوّل أعمق من الحدث نفسه. وعندما يجتمع صانعو القرار الأمني في المغرب لرسم خريطة جديدة لأمن الملاعب، مستعينين بالطائرات المسيّرة والكاميرات الذكية ووحدات التدخل المتخصصة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بكيفية منع العنف في مباراة لكرة القدم، بل بكيفية إدارة مجتمع يتحرك بسرعة نحو المستقبل دون أن يفقد توازنه الأخلاقي والثقافي. إن العنف في الملاعب ليس مشكلة رياضية. وليس مشكلة أمنية فقط. إنه مرآة. والمرآة لا تكذب. فكل شتيمة تلقى من المدرجات، وكل مقعد يُحطم، وكل مواجهة بين مشجعين، ليست سوى أعراض لأسئلة أكبر تختبئ تحت سطح المشهد.

في الفلسفة السياسية، يقال إن المجتمعات تفرغ توتراتها داخل المؤسسات. لكن ماذا يحدث عندما تصبح المدرجات نفسها مؤسسة للتنفيس الجماعي؟ الملعب المغربي لم يعد مجرد فضاء لمشاهدة مباراة. لقد تحول، أحيانا، إلى مسرح تعرض عليه مشاعر الغضب والإحباط والانتماء والحلم والانكسار. هناك، وسط الأعلام والهتافات، لا يشجع الناس فريقا فقط. إنهم يدافعون عن هوية. عن حيّ. عن مدينة. عن ذاكرة. وربما عن كرامة رمزية يشعرون بأنها مهددة في مكان آخر. لذلك فإن فهم الشغب يبدأ من فهم الإنسان قبل فهم الجريمة.

حين تتجول الطائرات المسيّرة فوق الملاعب المغربية، فإنها لا تحمل مجرد كاميرات. إنها تحمل فلسفة جديدة في إدارة الأمن. فلسفة تقوم على الاستباق بدل رد الفعل. وعلى التوقع بدل الارتجال. وعلى المعرفة بدل القوة العمياء. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل التكنولوجيا وحدها قادرة على إنتاج الأمن؟ الكاميرا ترى. لكنها لا تربي. الخوارزمية تتوقع. لكنها لا تصالح. والطائرة المسيّرة ترصد الحركة. لكنها لا تداوي الجراح الاجتماعية التي قد تنتج العنف. لهذا تبدو المقاربة المغربية الجديدة أكثر ذكاء حين تجمع بين الردع والوقاية، وبين القانون والاستباق، وبين التكنولوجيا والعمل الميداني.

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس فقط حجم الوسائل التقنية المعتمدة، بل الرؤية الكامنة خلفها. فالدول القوية لا تنتظر الأزمة حتى تتحرك. بل تتحرك قبل أن تصبح الأزمة خبرا. في عالم يزداد اضطرابا، لم يعد الأمن مجرد انتشار للعناصر الأمنية. الأمن أصبح علماً. بيانات. تحليلا استباقيا. وتدبيرا للمخاطر. ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الذكاء المعلوماتي وفي التنسيق بين المؤسسات الأمنية المختلفة. إنها لغة الدولة الحديثة. الدولة التي تدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن في التدخل بعد وقوع الفوضى، بل في منع الفوضى من الولادة أصلا.

كان أجدادنا يقولون: “الوقاية خير من العلاج.” ورغم بساطة العبارة، فإنها تختصر أحدث نظريات الأمن في العالم. ويقول مثل مغربي آخر: “اللي ضربو الما السخون كايخاف من البارد.” أي أن التجارب المؤلمة تفرض التعلم لا التردّد. والمغرب، وهو يستعد لاستضافة تظاهرات رياضية عالمية كبرى، يدرك أن أي حادث صغير قد يتحول في عصر الشبكات الاجتماعية إلى صورة عابرة للقارات. ولهذا يصبح الأمن جزءا من الدبلوماسية الوطنية. وجزءا من صورة الدولة.وجزءا من الاقتصاد أيضا. السؤال الذي لا يطرحه أحد ماذا لو لم يكن العنف في الملاعب سببه كرة القدم؟ ماذا لو كانت الكرة مجرد مسرح تظهر عليه توترات أخرى؟ هل نتحدث بما يكفي عن التربية المدنية؟ عن المدرسة؟ عن دور الأسرة؟ عن الثقافة الرياضية؟ عن الخطاب الإعلامي الذي يحول أحيانا المنافسة إلى معركة وجودية؟ إن المجتمع الذي يزرع التعصب خارج الملعب لا يمكنه أن يتفاجأ عندما يحصده داخله.

التحدي الحقيقي لا يكمن في نشر مزيد من الكاميرات. بل في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الأمن والفرجة. بين الردع والحرية. بين القانون وشغف الجماهير. فالملعب ليس ثكنة. كما أنه ليس منطقة خارج القانون. إنه فضاء للمواطنة. ولهذا فإن نجاح المقاربة الأمنية يقاس بقدرتها على حماية المتفرج دون أن تقتل روح اللعبة. اليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات الرياضية الكبرى، يبدو المغرب وكأنه يكتب فصلا جديدا في فلسفة الأمن الرياضي. فلم يعد الهدف فقط منع الشغب. بل بناء ثقافة جماهيرية جديدة. ثقافة تجعل المشجع شريكا في الأمن لا موضوعا للمراقبة فقط. ثقافة تدرك أن الوطنية هي باحترام القانون وصون الممتلكات العامة. وكما يقول المثل المغربي: “الدار الكبيرة كتقوم على العقل قبل الحيط.” وكذلك الأوطان. فالملاعب الآمنة لا تبنى بالإسمنت والكاميرات وحدها، بل تبنى بعقول تؤمن بأن الرياضة احتفال بالحياة لا مناسبة للعنف. وعندما تلتقي التكنولوجيا بالحكمة، والقانون بالتربية، والوطنية بالمسؤولية، يصبح الملعب مدرسة للمواطنة قبل أن يكون مسرحا لكرة القدم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *