بقلم زكية لعروسي, باريس
في الأزمنة القديمة، كان الغريب يعبر البحر على ظهر سفينة خشبية ليحمل رسالة ملك إلى ملك. أما اليوم، فإن البحر نفسه صار شاشة مضيئة، والسفن تحوّلت إلى منصّات رقمية، والرسائل إلى تغريدات قادرة على إشعال عاصفة سياسيّة في دولة تبعد آلاف الأميال. هكذا بدا الجدل الذي أثارته تصريحات نائب الرئيس الأميركي ج.د. فانس بشأن قضية مقتل الطّالب البريطاني هنري نوفاك، إذ لم يعد السؤال متعلقا بجريمة جنائيّة أو بخلاف سياسي عابر، إنّما أصبح نافذة واسعة نطلّ منها على سؤال أعمق: من يملك حق الكلام داخل حدود الدولة الحديثة؟ ومن يرسم الخطّ الفاصل بين التّضامن والتدخّل، وبين الرّأي والوصاية؟ إن المسألة هنا ليست شخص ج.د. فانس بقدر ما هي صورة العالم الجديد التي يتجسد فيها. عالم تتداخل فيه السيادة مع الخوارزمية، وتتنافس فيه الحكومات مع المؤثرين، وتجد فيه الدول نفسها مضطرة للدفاع عن حدود غير مرئية، حدود الخطاب والسردية والتأويل.

الطالب هنري نوفاك
كان اليونانيون القدماء يدركون أن السلطة لا تبدأ بالسيف، بل بالكلمة. فالسفسطائيون لم يحكموا المدن، لكنهم امتلكوا القدرة على تشكيل وعي الناس تجاه الحكام. أما أفلاطون فكان يخشى من خطباء يستطيعون تحويل الجمهور إلى قطيع من الانفعالات. بعد أكثر من ألفي عام، يبدو أن المخاوف ذاتها عادت بثياب جديدة. فحين يتحدث مسؤول أميركي رفيع عن قضية داخل دولة أخرى، فإن كلماته تحمل معها ثقل القوة الأميركية الرمزية والجيوسياسية. إنّ الكلام هنا لا يكون مجرد كلام؛ إنه ظل الإمبراطورية وهو يعبر المحيط. ولذلك جاء غضب لندن مفهوما في سياق أوسع من الواقعة نفسها. فالدولة الحديثة تقوم على احتكار شرعية القرار داخل حدودها. وحين يشعر المسؤولون البريطانيون بأن شخصية أجنبية نافذة تعيد صياغة النّقاش العام أو تؤثّر في المزاج الشعبي حول قضية حسّاسة، فإنهم يرون في ذلك مساسا بمبدأ السيادة، حتى لو تم عبر منصة رقمية لا عبر سفارة أو أسطول.
كان ابن خلدون يلاحظ أن الغلبة ليست عسكرية فقط، بل ثقافيّة أيضا. فالدول المنتصرة تفرض لغتها ورؤيتها للعالم قبل أن تفرض قوانينها. وفي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الإمبراطوريات بحاجة إلى احتلال الأرض. يكفي أن تحتلّ الرّواية. لقد دخل العالم مرحلة يمكن تسميتها بـ”جيوسياسة السرديات”، حيث تتنافس الدوّل والقوى السياسية على تفسير الأحداث أكثر مما تتنافس على صنعها. فالذي ينجح في احتكار التفسير يقترب من احتكار الحقيقة في أعين الجمهور. من هذا المنظور، تبدو تصريحات فانس جزءا من ظاهرة أوسع: انتقال الصراعات من الجغرافيا إلى الإدراك. لم يعد السؤال: من يسيطر على المدينة؟ بل: من يسيطر على معناها؟ إن المعركة الحديثة لا تدور حول الوقائع وحدها، بل حول العدسات التي ننظر من خلالها إلى الوقائع.
ثمة مفارقة فكرية تستحق التأمل. فبريطانيا التي ساهمت تاريخيا في نشر فكرة حرية التعبير عالميا تجد نفسها اليوم في موقع المدافع عن حقها في حماية فضائها السياسي من التأثير الخارجي. وهذا ليس تناقضا كما قد يبدو للوهلة الأولى. فالليبرالية نفسها قامت دائما على توتر خفي بين مبدأين متنافسين: حرية التعبير بلا قيود. حماية المجال العام من التلاعب. إن الديمقراطية لا تخاف من الرأي المختلف، لكنها تخشى أن تتحول قوة خارجية إلى لاعب داخلي من دون تفويض شعبي. وهنا يبرز السؤال الفلسفي الصعب: إذا كانت العولمة قد أزالت الحدود أمام الأفكار، فهل يمكن للدّولة أن تطالب بسيادة كاملة على النقاش العام داخل أراضيها؟ ربما لم يعد هذا ممكنا أصلا.
لو عاد المتنبي إلى عصرنا لربما قال إن المنصات الرقمية جعلت كل إنسان أميرا على مملكته الصغيرة. فالكلمة التي كانت تحتاج إلى شاعر يجوب الصحارى كي ينشرها، أصبحت اليوم تعبر القارات في ثوان. لكن المشكلة أن الحكمة لم تزد بالسرعة نفسها التي زادت بها سرعة الانتشار. ولهذا نعيش زمنا تتسابق فيه الانفعالات أسرع من الحقائق. في هذا السياق، لا تصبح تصريحات السياسيين مجرد مواقف، بل شرارات محتملة في مستودعات مشحونة مسبقا بالغضب والاستقطاب والشكوك الاجتماعية. ومن هنا نفهم حساسية الحكومات تجاه أي خطاب خارجي يمس قضايا الهوية أو العدالة أو الأمن أو الهجرة أو العلاقات العرقية.
قد يقول البعض إن من حق أيّ مسؤول أن يعلق على أي قضية إنسانية في العالم. وهذا صحيح جزئيا. لكن أرسطو كان يميز بين الحكمة النظرية والحكمة العملية. فليس كل ما يمكن قوله يجب قوله بالطريقة نفسها وفي التوقيت نفسه. أما ابن رشد فكان يرى أن الحقيقة لا تنفصل عن شروط تلقّيها. وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: متى يصبح الدفاع عن قيمة أخلاقية تدخلا سياسيا؟ ومتى يتحوّل التعليق على حادثة محليّة إلى محاولة لإعادة هندسة النقاش الوطني داخل دولة أخرى؟ لا توجد إجابة سهلة. لكن المؤكد أن موقع المتحدث يغير معنى حديثه. فالكلمة الخارجة من مواطن عادي ليست كالكلمة الخارجة من نائب رئيس أقوى دولة في العالم.
ربما تكشف هذه الحادثة عن حقيقة أعمق من الخلاف بين واشنطن ولندن. لقد نشأت الدولة الحديثة على افتراض أن الحدود السياسية قادرة على تنظيم تدفق السلطة. أما اليوم، فإن السلطة نفسها أصبحت سائلة. الأفكار تعبر الحدود. المنصات تعبر الحدود. الخوارزميات تعبر الحدود. الغضب يعبر الحدود. وحدها الحكومات ما زالت تحاول التمسك بخريطة رسمت في عصر آخر. لهذا فإن الجدل حول تصريحات فانس هو علامة على أزمة فلسفية تعيشها الديمقراطيات الغربية كلها: كيف يمكن حماية السيادة الوطنية في عالم لم يعد يعترف بالحدود التقليدية؟
في الميثولوجيا اليونانية كان البحر يفصل بين العوالم. أما في عصرنا فقد تحول البحر إلى مسافة رمزية تكاد لا ترى. تصريح يصدر في واشنطن قد يهز نقاشا عاما في لندن. ومنشور واحد قد يغير مزاج شارع كامل على بعد آلاف الكيلومترات. لذلك فإن القضية ليست ج.د. فانس وحده، ولا بريطانيا وحدها. القضية هي أن الإنسانية دخلت مرحلة تاريخية جديدة أصبحت فيها السيادة تقاس بالقدرة على حماية المعنى نفسه. وفي هذا العالم الجديد، قد لا تكون أخطر أشكال النفوذ هي تلك التي تدخل عبر الحدود، بل تلك التي تدخل عبر العقول، وهي تظن أنها جاءت فقط لتقول رأيا.
📲 Partager sur WhatsApp