بقلم زكية لعروسي, باريس
في إحدى ليالي السماء العابرة للمحيطات، وبينما كانت الطائرة تشقّ الظلام كرمح من الألمنيوم يثقب خاصرة الغيوم، كان الركاب يظنون أنهم غادروا الأرض بكل ما فيها من فوضى وضجيج وكائنات صغيرة تتقن فن التطفل على الكبار. غير أن التاريخ يعلّمنا أن أكثر المخلوقات دهاء لا تحتاج إلى جواز سفر. هناك، في مقصورة الأعمال، حيث تسكب الطمأنينة في كؤوس زجاجية أنيقة وتباع الراحة بسعر مضاعف، ظهر كائن مجهريّ الطموح، متقشّف الحجم، إمبراطوريّ النزعة: بقّة فراش. لم تكن مجرد حشرة. كانت فيلسوفة سرّية تحمل مشروعا ثوريا لإعادة توزيع السلطة بين الأجساد. في لحظة واحدة انهارت الحدود التي بنتها الطبقات الاجتماعية خلال قرون. لم تعد هناك درجة أعمال ودرجة سياحية. لم تعد هناك أميال سفر ولا بطاقات ذهبية ولا امتيازات نخبوية. فالبقّ، مثل الموت والقدر والضرائب، لا يعترف بالفوارق.
تبدو القصة للوهلة الأولى حادثة استهلاكية : عائلة تسافر، تتعرض للسعات مؤلمة، توثّق الحادثة بالصور والفيديو، ثم تطالب بتعويض مالي ضخم. لكن الحكايات الكبرى تبدأ دائما بتفصيل صغير. تفاحة تسقط فتربك الفيزياء. رصاصة واحدة تشعل حربا عالمية. وبقّة واحدة تجبرنا على التفكير في معنى الحضارة. كيف يمكن للإنسان الذي صنع الطائرات العابرة للقارات، وأرسل المركبات إلى أطراف النظام الشمسي، وعلّم الآلات أن تتكلم، أن يعجز عن الانتصار الكامل على حشرة لا يتجاوز حجمها حبة عدس؟ أليس في ذلك شيء من السخرية الكونية؟

في التراث العربي مثل قديم يقول: ربّ صغير أذلّ كبيرا.” ولم يكن أصحاب الأمثال يعلمون أنهم يكتبون دستور البقّ قبل قرون. فالحضارات كلها احتقرت الصغار. اليونانيون القدماء حلموا بالأبطال العمالقة. الرومان مجّدوا الجيوش الجبارة. الملوك بنوا قصورا شاهقة. لكن التاريخ الحقيقي كان يكتب أحيانا بواسطة الجرذان والبراغيث والبعوض والبكتيريا. إنها مفارقة الوجود الكبرى: الكبير يخاف من الصغير أكثر مما يخاف الصغير من الكبير. وفي هذا تكمن فلسفة البقّة. فهي لا تهاجم الإنسان بوصفه غنيا أو فقيرا. لا تسأل عن العرق أو الدين أو الجنسية. لا تقرأ جوازات السفر. ولا تهتم بلون البشرة.
من هذه الزاوية الغريبة تصبح بقّة الفراش أكثر مساواة من كثير من البشر. إنها لا تمارس العنصرية. بل تكاد تكون اشتراكية متطرفة في توزيع اللدغات. وهنا تبدأ المفارقة المضحكة والمؤلمة معا. فالإنسان الذي أمضى آلاف السنين وهو يصنف البشر إلى أعراق وقبائل وألوان ومراتب، يجد نفسه فجأة أمام حشرة ترفض كل هذه التصنيفات. في بعض التراثات القديمة كان الأجنبي يوصَف بالبرابري. وفي مجتمعات أخرى جرى تقسيم البشر وفق الدم أو الأصل أو اللون أو اللغة. أما البقّة فقد اختصرت العالم كله في فئة واحدة: “كائنات دافئة صالحة للدغ” كم يبدو مشروعها السياسي بسيطا مقارنة بمشاريع البشر!
لكن القضية لا تتعلق بالحشرة وحدها. إنها تتعلق أيضا بالثقة. فالرّاكب حين يشتري تذكرة لا يشتري مقعدا فحسب. إنه يشتري وعدا. وكل صناعة حديثة تقوم في جوهرها على الوعود. وعد بالأمان. وعد بالنظافة. وعد بالراحة. وعد بأن النظام أقوى من الفوضى. لكن ماذا يحدث عندما تنجح حشرة في اختراق هذا الوعد؟ إن الضرر النفسي هنا لا يقل أهمية عن الأثر الجسدي. فالإنسان الحديث لا يخاف من الألم بقدر ما يخاف من انهيار ثقته بالعالم. وربما لهذا السبب تبدو المطالبة بمئتي ألف دولار أقل غرابة مما يظنه البعض. فالقضية ليست ثمن اللدغات. إنها ثمن الخيبة. ثمن اللحظة التي يكتشف فيها المرء أنّ ّالتكنولوجيا لا تجعل الكون أقل عبثية. وأن الطائرة العملاقة التي تعبر الأطلسي بسرعة تقارب سرعة الصوت لا تزال عاجزة أحيانا عن الانتصار على مخلوق ليلي يختبئ في ثنيات مقعد.

السؤال الفلسفي الأعمق ليس: هل كانت هناك بقّات بالفعل؟ بل: لماذا نشعر بالإهانة حين تنتصر الحشرة؟ لماذا نعتبر الأمر مساسا بكرامتنا؟ أليس لأنّنا ما زلنا نؤمن، في أعماقنا، بأن الكون خلق وفق هرمية يكون الإنسان على قمتها؟ لكنّ الطبيعة لا تعترف بهذه الغطرسة. إنها تبتسم في صمت كلّما ذكّرتنا بأننا لسنا ملوكها بل أحد رعاياها. وهكذا تتحول بقّة الفراش من حشرة عادية إلى استعارة ضخمة. استعارة عن هشاشة الحضارة. عن حدود السيطرة. عن الأوهام التي ننسجها حول الكمال. وعن ذلك الدّرس القديم الذي تكرره الحياة بألف لغة: ليس كل ما هو صغير تافها. وليس كل ما هو عظيم منتصرا. فأحيانا يكفي مخلوق بحجم بذرة سمسم لكي يوقظ إمبراطورية كاملة من نومها الوثير.
📲 Partager sur WhatsApp