زكية لعروسي, باريس
في مدينة هادئة من مدن الجنوب الفرنسي، حيث تمضي الساعات ببطء يشبه مشي السلاحف المتأملة، وحيث تتقاعد الأشجار قبل البشر أحيانا، نهض رجل سبعيني ذات صباح ليخوض واحدة من أغرب المعارك الفلسفية في العصر الحديث. لم يكن خصمه دولة عظمى. ولا مصرفا دوليا. ولا شركة نفط. بل مكنسة. نعم، مكنسة كهربائية. ولعل سقراط نفسه لو عاد من العالم الآخر لابتسم وهو يرى أن أسئلة العدالة والحقيقة والتمثيل واللغة لم تعد تناقش في الساحات العمومية، بل في أنابيب شفط الغبار. تبدأ الحكاية كما تبدأ الملاحم الكبرى دائما. بشيء تافه ظاهريا. حصان ضائع. تفاحة ساقطة. إبريق شاي. أو مكنسة سعرها مئة وأربعون يورو. لكن الأشياء الصغيرة تملك موهبة خطيرة: إنها تكشف الأكاذيب الكبيرة.
كان الرجل يبحث عن آلة تجمع بين الفضيلتين العظيمتين في تاريخ التنظيف: الشفط والغسل. وكأنّها نسخة منزلية من الفيلسوف الملك الذي تحدث عنه أفلاطون؛ كائن يجمع بين سلطتين في جسد واحد. لكن سرعان ما وقعت الكارثة. فالشعر الحيواني، ذلك الكائن الأسطوري الذي يتكاثر في البيوت بسرعة تتحدى قوانين الفيزياء، قرر أن يخوض معركة وجودية مع المكنسة. والنتيجة كانت، بحسب رواية المتقاعد، عجينة كونية مؤلفة من الماء والغبار والشعر. طبق سريالي ربّما كان سلفادور دالي سيضعه في متحف. وهنا يبدأ الجزء المثير. فالرجل لا يطالب بمبلغ صغير. ولا يطلب استبدال الجهاز. ولا يسعى فقط إلى استرداد ثمنه. إنه يطالب بخمسمائة ألف يورو. وهنا ترتفع القصة من مستوى الاستهلاك إلى مستوى الأدب.
فهذا الرقم ليس رقما. إنه استعارة. إنه قصيدة احتجاج مكتوبة بلغة المحاكم. في التراث العربي كان هناك نموذج شهير يُعرف باسم “المظلوم العنيد”. ذلك الرجل الذي لا يترك خصومه ينامون حتى لو كانت القضية تتعلق بشاة ضائعة أو نخلة مائلة أو جدار متصدع. وفي كتب الجاحظ وأخبار القضاة وأدب النوادر نجد شخصيات مذهلة كانت قادرة على تحويل أبسط الخلافات إلى معارك كونيّة حول معنى العدالة. هذا المتقاعد يبدو كأنه خرج من إحدى تلك الصفحات الصفراء. فهو لا يحاكم المكنسة فقط. إنه يحاكم فكرة كاملة. فكرة المستهلك المعاصر الذي يطلب منه أن يقرأ مئات التفاصيل الدقيقة المكتوبة بخط أصغر من ضمير الشركات. وهنا يبرز السؤال الفلسفي. متى يصبح الخطأ الشخصي مسؤولية عامة؟ إذا اشترى الإنسان مطرقة ليقطع بها الخبز، هل تصبح المطرقة مذنبة؟ وإذا اشترى حذاء للسباحة، هل يحاكم البحر؟ لكن بالمقابل: إذا كانت الإعلانات تعد بأكثر مما تستطيع المنتجات تحقيقه، فمن المسؤول عن الفجوة بين الحلم والحقيقة؟
في الأمثال القديمة نجد عبارة مذهلة: ليس كل ما يلمع ذهباً.” أما عصرنا فقد أضاف إليها جملة جديدة: “وليس كل ما يعلن عنه يعمل كما تتخيل.” لقد تحولت الأسواق الحديثة إلى مسارح كبرى للأحلام. لا تباع فيها السلع فقط. بل تباع الصور الذهنية. تشتري عطرا فتباع لك الجاذبية. وتشتري سيارة فتُباع لك الحرية. وتشتري مكنسة فتباع لك حياة خالية من الفوضى. لكن الحياة، للأسف، لا تقرأ الكتيبات الإعلانية. ومن أجمل مفارقات هذه القضية أن الشعر الحيواني هو البطل الحقيقي للحكاية. ذلك الشعر المتواضع الذي تحتقره البشرية منذ آلاف السنين. في الأدب القديم تغنى الشعراء بالخيول. ومجدوا الأسود. ووصفوا النسور. لكن أحدا لم يكتب ملحمة عن شعر القطط المتناثر فوق الأرائك. ومع ذلك استطاع هذا الشعر الصغير أن يشلّ آلة حديثة وأن يدفع رجلا إلى مواجهة قانونية طويلة. إنه انتصار الكائنات المهملة على التكنولوجيا المتعجرفة.
لكن هل يريد الرجل فعلا نصف مليون يورو؟ ربما نعم. وربما لا. فالرّموز أحيانا أهم من الأموال. فيبدو كأنه يقول للمجتمع: “أنا لا أقاتل من أجل المكنسة. أنا أقاتل من أجل كل مستهلك عاد إلى بيته وهو يتساءل: هل أخطأت أنا؟ أم أن أحدا باعني وهما جميلا؟” قد لا تصبح هذه القضية درسا في قانون الاستهلاك بقدر ما تصبح درسا في الطبيعة البشرية. فالإنسان كائن غريب. قد يتسامح مع خيبات كبرى. لكنه قد يعلن ثورة كاملة بسبب جهاز منزلي. ولعل السبب بسيط. فالحروب الحقيقية ليست دائما حول الأشياء. بل حول الكرامة. وحين يشعر الإنسان أنه لم يفهم أو لم ينصف، تتحول المكنسة إلى قضية رأي عام، ويتحول الغبار إلى قضية فلسفية. وهكذا يقف المتقاعد الفرنسي وحيدا في مواجهة شركة ومتجر ومؤسسات وإجراءات لا تنتهي، مثل دون كيخوته وهو يهاجم طواحين الهواء. غير أن الفرق الوحيد هو أن طواحين الهواء كانت تدور بالريح. أما طواحين عصرنا فتدور بالإعلانات والكتيبات والشروط الصغيرة المكتوبة في أسفل الصفحة. وفي كلتا الحالتين، يبقى السؤال معلقا في الهواء مثل ذرة غبار عنيدة: هل كان الرجل يحارب مكنسة؟ أم كان يحارب العالم الذي أقنعه بأن المكنسة قادرة على صنع المعجزات؟
📲 Partager sur WhatsApp