بقلم زكية لعروسي, باريس
كان الأهل في الأزمنة القديمة يخشون الغابة. وكانوا يحذرون أبناءهم من الطرق المظلمة. ومن الغرباء الواقفين عند منعطفات القرى. وكان الوحش، في المخيلة البشرية، كائنا يمكن رؤيته. له أنياب. وله ظل. وله خطوات تسمع قبل وصوله. أما اليوم، فقد تغيّرت طبيعة الوحوش. لم تعد تأتي من الغابة. بل من الشاشة. ولم تعد ترتدي جلد الذّئب. بل صورة طفل. في ظاهر الأمر يبدو روبولوكس مجرد لعبة. عالم من المكعبات والألوان والشخصيات الكرتونية. مدينة من البراءة الرقمية. حديقة إلكترونية يتجول فيها الأطفال. لكن خلف هذه الواجهة المبهجة يختبئ سؤال حضاري مرعب:
ماذا يحدث عندما تتحول ساحات اللّعب إلى مناطق صيد؟ ليس الصيد هنا للأجساد فقط. بل للثّقة. للبراءة. للخيال. للطفولة نفسها. منذ آلاف السنين كانت الحضارات تعرف أن الطفل هو أضعف حلقات المجتمع وأثمنها في آن واحد. في أساطير اليونان القديمة كان “كرونوس” يلتهم أبناءه خوفا من المستقبل. وفي الحكايات العربية كانت الغولة تختبئ عند أطراف القرى لتختطف الصغار. وفي كل الثقافات تقريبا يظهر الوحش دائما بالقرب من الطفولة. لكن الفرق أن الوحوش القديمة كانت خارج الأسوار. أما الوحوش الجديدة فقد دخلت إلى غرفة النوم.
الحدث لا يتعلق بلعبة واحدة. ولا بمنصة واحدة. ولا حتى بمجرمين أفراد. إنه يكشف تحوّلا أعمق بكثير. لقد نجحت الإنسانية في بناء فضاءات رقمية هائلة قبل أن تفهم بالكامل طبيعة الإنسان الذي سيدخل إليها. بنينا المدن الافتراضية قبل أن نضع لها أخلاقا افتراضية. وصنعنا الأبواب قبل أن نصنع الأقفال. الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز وصف الإنسان بأنه ذئب لأخيه الإنسان. لكن هوبز لم يتخيل عالما يستطيع فيه الذئب أن يختبئ خلف صورة طفل عمره اثنا عشر عاما. في الماضي كان المفترس يحتاج إلى الاقتراب جسديا من ضحيته. اليوم يستطيع الوصول إليها من آلاف الكيلومترات. من قارة أخرى. من دولة أخرى. من غرفة أخرى. بضغطة زر.

ما يحدث داخل بعض الألعاب ليس مجرد تحرش إلكتروني. بل عملية فلسفية معقدة يمكن وصفها بـ”استعمار الثقة”. فالمفترس لا يبدأ بالتهديد. بل بالصداقة. لا يبدأ بالعنف. بل باللطف. لا يقتحم الحصن. بل يجعلك تفتح له الباب بنفسك. وهنا تكمن عبقريته الإجرامية. في التراث العربي كان اللصوص يسرقون الذهب. أما في العصر الرقمي فهناك من يسرق شيئا أكثر قيمة: الإحساس بالأمان. فالطفل الذي يتعرض للاستغلال لا يفقد صورة أو رسالة فقط. إنه يفقد جزءا من ثقته بالعالم. وهذا أخطر بكثير. لكن لماذا أصبحت الألعاب بالذات أرضا خصبة لهذا النوع من الافتراس؟ لأن الألعاب الحديثة لم تعد ألعابا. لقد أصبحت مجتمعات. مدنا. أسواقا. شبكات اجتماعية. بل أحيانا بديلا عن الواقع نفسه. في الماضي كان الطفل يلعب. أما اليوم فهو يعيش داخل اللّعبة. يبني صداقات. يتحدّث. يتعلّم. يتعارف. ويكشف أجزاء من شخصيته.

هنا تظهر مفارقة العصر الرقمي. كلما توسّعت مساحات الحرية توسعت معها مساحات الخطر. فالفيلسوف الألماني أولريش بيك تحدث عن “مجتمع المخاطر”. وهو مجتمع لا تأتي أخطاره من الطبيعة فقط. بل من الإنجازات البشرية نفسها. الطائرة اختصرت المسافات لكنها جلبت حوادث الطيران. والإنترنت فتح أبواب المعرفة لكنه فتح أيضا أبواب الاستغلال. المشكلة ليست تقنية فقط. إنها أنثروبولوجية. فالمنصات الرقمية صممت أساسا لجذب الانتباه. لإطالة مدة البقاء. لزيادة التفاعل. لكن الطفل ليس مجرد مستخدم. إنه كائن في طور التكوين. ولذلك فإن أي خلل في الحماية يتحول إلى أزمة أخلاقية قبل أن يكون أزمة تقنية.
في الفلسفة اليونانية كان أفلاطون يرى أن المجتمع يعرف من خلال الطريقة التي يعامل بها أضعف أفراده. ولو عاد أفلاطون اليوم ربما لطرح سؤالا مختلفا: كيف يمكن لحضارة تمتلك الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والأقمار الصناعية أن تعجز عن حماية طفل من شخص يختبئ خلف صورة رمزية داخل لعبة؟ المفارقة الأكثر إيلاما أن التكنولوجيا التي وعدت بتوسيع آفاق الطفولة أصبحت أحيانا منفذا لاختراقها. فالعالم الرقمي لا يسرق الوقت فقط. بل يختبر الحدود الأخلاقية للمجتمعات. إنه طرح سؤالا جديدا: من المسؤول عن الطفل في الفضاء الإلكتروني؟ الأهل؟ المدرسة؟ الشركات؟ الدولة؟ أم الجميع معا؟

الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن الحل يكمن في المنع الكامل. التاريخ يعلمنا أن التكنولوجيا لا تهزم بالمنع. بل بالفهم. وبالتربية. وببناء المناعة. فالطفل الذي يتعلم كيف يميز الخطر يصبح أكثر أمنا من طفل معزول تماما عن العالم. ومع ذلك يبقى سؤال مقلق يلوح في الأفق. هل نحن أمام حالات إجرامية متفرقة؟ أم أمام ظاهرة تكشف تحوّلا أعمق في طبيعة الشر نفسه؟ فالشر التقليدي كان يحتاج إلى الاقتراب من ضحيته. أما الشر الرقمي فقد أصبح عابرا للقارات. خفيفا كالإشارة الإلكترونية. وسريعا كنبضة الضوء. ربما ليست القضية في روبولوكس وحدها. روبلوكس مجرد مرآة. والمرآة لا تصنع الوجه الذي تعكسه. إنها تكشفه فقط. ما تكشفه هذه المنصات هو أن البشرية دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها معركة حماية الأطفال تدور في الشوارع والمدارس فقط. بل في الأكوان الافتراضية أيضا. في الأماكن التي تبدو الأكثر براءة. والأكثر لعبا. والأكثر ألوانا. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نحمي الأطفال من لعبة؟ بل: كيف نحمي الطفولة نفسها في عصر يستطيع فيه الذئب أن يرتدي ألف قناع، وأن يعبر آلاف الكيلومترات، وأن يدخل بيتك دون أن يفتح الباب؟ ذلك هو السؤال الحضاري الكبير. أما الجواب، فلا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها. بل بالصورة التي نريد أن يكون عليها الإنسان في القرن الحادي والعشرين.
📲 Partager sur WhatsApp