ترامب… مدرسة ترامب في الفيزياء السياسية

(بقلم زكية لعروسي, باريس (رسالة من الأم خيرة إلى البيت الأبيض

لو قُدّر للأم خيرة، تلك المرأة المغربية التي تحفظ أخبار الحي أكثر مما تحفظ وزارة الداخلية سجلاتها، أن تتابع أخبار دونالد ترامب كل صباح، لأغلقت التلفاز، وعدّلت منديلها القروي، ثم قالت بجملتها الشهيرة: “آ بنتي، واش هاد الراجل خدام رئيس دولة ولا خدام مؤذن ديال الأخبار؟” فالرجل، منذ أن دخل السياسة، يبدو وكأنه وقع عقدا سريا مع الثرثرة نفسها. هناك بشر يستيقظون على صوت العصافير. وهناك بشر يستيقظون على صوت المنبّه. أما دونالد ترامب، فيبدو أنه يستيقظ على صوت تصريح لم يقله بعد.

في القرى المغربية القديمة، كان هناك دائما شخص يعرف أخبار السوق قبل افتتاحه، وأخبار العرس قبل خطبة العروس، وأخبار المطر قبل أن تتشكل الغيوم. لكن ترامب أخذ هذه الموهبة الشعبية إلى مستوى كوني. الرّجل لا ينتظر الأحداث. الأحداث هي التي تركض خلفه محاولة اللحاق بتصريحاته. بينما يجلس الخبراء العسكريون أمام الخرائط والأقمار الصناعية والبيانات السرية، يخرج ترامب فجأة ليعلن للعالم أن إيران لم يعد لديها سوى 21 أو 22 في المئة من صواريخها. ليس 20. وليس 25. بل 21 أو 22. رقم دقيق إلى درجة تجعلك تتساءل إن كان قد أمضى الليل يعدّ الصواريخ الإيرانية كما كانت جداتنا يعددن حبات الزيتون قبل موسم العصر. الأم خيرة، بطبيعة الحال، لم تفهم الأمر. قالت وهي تفرغ الشاي من إبريق فضي: “واش مشا عندهم للمخزن وعدّهم واحد بواحد؟” إنّه إعصار يرتدي ربطة عنق

في السياسة يوجد قادة. وفي التاريخ يوجد زعماء. أما ترامب فهو ظاهرة جوية. ليس رجلا بالمعنى التقليدي للكلمة. إنه منخفض جوي دائم الحركة. تستيقظ آسيا على تصريح. وتنام أوروبا على تغريدة. وتجد أميركا نفسها في الصباح التالي أمام تصريح جديد يناقض التصريح السابق ولكن بثقة أكبر. إنه يشبه ذلك البائع في الأسواق الأسبوعية المغربية الذي يبيعك البطيخ والعسل والأحذية والبطاريات وأدوية الروماتيزم في الخطاب نفسه دون أن يتوقف لالتقاط أنفاسه. والأعجب أن الزبائن يظلون منبهرين. الأم خيرة لا تهتم كثيرا بالجغرافيا السياسية. لكنها تؤمن بأن العالم يجب أن يسير وفق منطق معقول. وعندما سمعت ترامب يتحدث عن تدمير المصانع والمنصات والرادارات والطائرات المسيّرة والصواريخ، تنهدت قائلة: “الله يرضي عليكوم، خليو لينا غير الكسكس يوم الجمعة بلا تصريحات جديدة.” ففي نظرها، أصبح العالم أشبه بطنجرة ضغط عملاقة يجلس ترامب فوق غطائها ممسكا بهاتفه. وفي كل مرة يوشك فيها البخار على الهدوء، يضغط الرجل على زر جديد.

كان نيوتن يعتقد أن لكل فعل رد فعل. أما ترامب فيبدو أنه اكتشف قانونا آخر: لكل دقيقة صمت، هناك تصريح ضائع. الصمت بالنسبة إليه ليس فضيلة. إنه فرصة مهدورة. ولهذا يبدو الرجل وكأنه يخوض معركة شخصية ضد الفراغ. إذا هدأت الأسواق تحدث. إذا اشتعلت الأسواق تحدث. إذا وقع حدث تحدث. وإذا لم يقع حدث تحدث أيضا. كأن العالم بالنسبة إليه برنامج حواري طويل، وكأن التاريخ نفسه مجرد ميكروفون ضخم. بعد ساعات من متابعة الأخبار، خرجت الأم خيرة بخلاصة سياسية قد تعجز عنها مراكز الدراسات الاستراتيجية. قالت وهي ترتب وسائد الصالون: “شوف آبنتي… بعض الناس كيصنعو التاريخ، وبعض الناس كيهضرو عليه، أما هاد السيد فكيهضر حتى التاريخ كيولي لاهث وراه.” ربما كانت على حق. فترامب ليس مجرد رئيس سابق أو حالي. إنه مصنع متحرك للأخبار. محطة بث لا تنام. رجل استطاع أن يجعل الصحفيين يعيشون في حالة طوارئ دائمة، وأن يجعل المحللين يستهلكون القهوة بمعدلات تهدد الأمن الغذائي العالمي.

في الأساطير القديمة كان هناك فرسان يطاردون التنانين. وفي الحكايات الشعبية كان هناك حكماء يطاردون الحقيقة. أما دونالد ترامب فيبدو وكأنه يطارد شيئا آخر تماما: اللحظة التالية. التصريح التالي. العنوان التالي. فلا ريح توقفه. ولا ثلج يبطئه. ولا شمس حارقة تدفعه إلى الظل. إنه يسير في الصحراء حاملا هاتفه كما يحمل شاعر بدوي ربابة لا تتوقف عن الغناء. وإذا كان العالم قد اعتاد عبر القرون على الزلازل والبراكين والأعاصير، فإنه ما زال حتى اليوم يحاول فهم ظاهرة أكثر غرابة: كيف يستطيع رجل واحد أن ينتج كل هذا القدر من الأخبار قبل أن ينهي العالم فنجان قهوته الصباحي؟.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *