بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن، الدنمارك
في مساءات الغربة الطويلة، حين يهدأ ضجيج المدن وتنكفئ الأرواح إلى مراياها الخفية، يكتشف الإنسان أن الحماس وحده لا يكفي لصناعة التحولات الكبرى. فكم من فكرة عظيمة وُلدت في وهج العاطفة ثم خمدت لأنها لم تجد من الحكمة ما يحفظها، ومن الصبر ما ينضجها، ومن الإرادة ما يترجمها إلى أثر باق في حياة الناس. أقف غالبا على هامش المشهد، لا هروبا من العالم، بل اقترابا منه. أختار زاوية هادئة في المكان، وأترك للأفكار أن تعبرني كما تعبر الريح حقول القمح. أراقب الوجوه وأصغي إلى الكلمات التي لا تقال، وأفتش في تفاصيل الأيام عن المعنى المختبئ وراء الأحداث العابرة. هناك، في تلك العزلة المختارة، تتكاثر الأسئلة أكثر مما تتكاثر الأجوبة، وأدرك أن الحياة ليست ما نعيشه فقط، بل ما نفهمه منها بعد أن تهدأ العاصفة.
لقد علمتني التجارب أن الناس ليسوا نسخا متشابهة، وأن لكل إنسان عالمه الخاص الذي تشكله التربية والبيئة والإيمان والقيم والتجارب. ومن هنا تتباين المواقف وتتعدد الرؤى، ويصبح الاختلاف سنة من سنن الوجود لا عيبا ينبغي الفرار منه. غير أن ما يجمع البشر، مهما تباعدت مساراتهم، هو حاجتهم العميقة إلى المعنى، وإلى جذور أخلاقية تمنح لحياتهم اتزانا وسط هذا العالم المتغير. وفي قلب هذه الجذور تقف الأم شامخة كالنخلة التي تضرب جذورها في أعماق الأرض وترفع رأسها نحو السماء. ليست الأم مجرد فرد في الأسرة، بل هي الذاكرة الأولى للطفولة، والنبض الأول للقيم، والمدرسة التي تتشكل فيها ملامح الإنسان قبل أن يواجه العالم. فما تزرعه في النفوس من محبة ورحمة وصدق وإحسان، يعود بعد سنوات شجرة وارفة يستظل بها الأبناء والمجتمع معا. وحين يكون العطاء خالصا لله تعالى، تصبح التربية رسالة تتجاوز حدود البيت لتصنع أجيالا تحمل الخير أينما حلت.
غير أن المتأمل في أحوال كثير من المجتمعات الإسلامية، داخل أوطانها وخارجها، يلحظ أن أخطر الأزمات ليست تلك التي تصيب الأجساد، بل تلك التي تتسلل بصمت إلى الضمائر. إنها أزمة القيم حين تضعف، وأزمة الروابط حين تتآكل، وأزمة الوفاء حين يصبح الوالدان في آخر قائمة الأولويات. فالعقوق ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل صدع أخلاقي يكشف خللا أعمق في منظومة التربية والوعي والانتماء. وتزداد هذه الأسئلة إلحاحا في مجتمعات المهجر، حيث ينشأ الأبناء بين ثقافتين، وتتجاذبهم رؤيتان للحياة، وتواجه الأسر تحديات لم تعرفها الأجيال السابقة. هناك، يصبح الحفاظ على الهوية أشبه بمحاولة إشعال مصباح صغير في مهب الريح؛ يحتاج إلى عناية دائمة، وإلى حكمة تتجاوز لغة الأوامر والنواهي نحو لغة الحوار والإقناع والقدوة الحسنة.
ولعل أكثر ما يؤلم هو أن كثيرا من المعاناة تبقى حبيسة الصدور، تتخفى خلف الصمت والمجاملات والخوف من كشف الجراح. لذلك أجد نفسي أميل إلى الإشارة أكثر من التصريح، وإلى طرح الأسئلة أكثر من إطلاق الأحكام، لأن النقاش الصادق يبدأ حين نعترف بوجود المشكلة قبل البحث عن حلولها. إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى شجاعة فكرية وأخلاقية تفتح الأبواب المغلقة بين الأجيال، وإلى حوار هادئ ومسؤول حول مستقبل أبنائنا في الغرب، وحول الكيفية التي يمكن بها أن نورثهم القيم التي نشأنا عليها دون أن نعزلهم عن واقعهم. فالأمم لا تحفظ ذاكرتها بالقوة، بل بالمحبة؛ ولا تنقل قيمها بالخوف، بل بالاقتناع؛ ولا تبني مستقبلها بالحنين وحده، بل بالوعي والعمل والتجدد. وهكذا يبقى السؤال معلقا في أفق الغربة: كيف نصنع جيلا يحمل روح أصالته دون أن ينغلق على عصره؟ سؤال كبير، لكنه يستحق أن يكون بداية صفحة جديدة، لا في دفاتر النقاش فقط، بل في ضمائرنا أيضا.
📲 Partager sur WhatsApp