(بقلم زكية لعروسي, باريس (دور اليونسكو في عالم يتكلم بلغة الانفجارات
في مدينة صور اللّبنانية، لا تسقط الحجارة فقط، بل يسقط الزمن نفسه. هناك، عند حافة المتوسط، حيث كانت السفن الفينيقية تنسج أولى خرائط التجارة والأساطير، وحيث مرّ الرومان وتركوا أقواس النصر ومدارج الخيل والفسيفساء، ارتفعت سحابة غبار جديدة فوق آثار صمدت قروناً أمام الزلازل والغزوات، لكنها وجدت نفسها اليوم في مواجهة عدو مختلف: السرعة. الصاروخ أسرع من التاريخ. هذه هي المعضلة الحقيقية التي تكشفها الأنباء عن الأضرار التي لحقت بموقع صور الأثري المدرج على قائمة التراث العالمي. فبينما تحتاج الحضارات إلى مئات السنين لتشيّد معنى، تحتاج الحرب إلى ثوان قط لتحوّل المعنى إلى ركام. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: من دمّر؟ بل: من يحمي؟ ومنذ متى أصبحت البشرية تملك مؤسسات لحماية التراث لا تستطيع حماية حجر واحد عندما تبدأ المدافع بالكلام؟
تبدو منظمة اليونسكو في المخيلة العالمية أشبه بكاهن عجوز يحمل سجل الذاكرة البشرية. هي تصنّف المواقع. توثقها. ترسل الخبراء. تطلق التحذيرات. تصدر البيانات. لكنها لا تملك: جيشا. قوات ردع. آليات عقوبات مستقلة. سلطة فوق الدول. وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالعالم يطلب من اليونسكو أن تحمي الآثار، بينما لم يمنحها الأدوات اللازمة للحماية. إنها أشبه بطبيب يطلب منه إيقاف نزيف مريض دون أن يسمح له بلمسه. فهل فشلت اليونسكو؟ أم أن الدول هي التي صممتها لتكون شاهدا لا حارسا؟
السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على طرحه هل تستطيع اتفاقيات حماية التراث أن توقف صاروخا؟ الجواب الواقعي: لا. فالصواريخ لا تقرأ اتفاقية لاهاي. والطائرات لا تتوقف عند حدود الخرائط الثقافية. في الفلسفة السياسية الحديثة، تحتل السيادة العسكرية موقعا أعلى من السيادة الأخلاقية. عندما تشعر دولة ما أن أمنها القومي مهدد، فإن الاعتبارات الثقافية تصبح غالباً في المرتبة الثانية أو الثالثة أو العاشرة. هذه ليست تبريرا. بل توصيف لآلية عمل النظام الدولي. ومن هنا يظهر التناقض العنيف بين عالمين: عالم القانون الدولي. وعالم القوة العسكرية. الأول يتكلم بلغة النصوص. الثاني يتكلم بلغة الوقائع. والتاريخ يخبرنا مرارا أن الوقائع تنتصر غالباً قبل أن تأتي النصوص لتكتب مرثيتها.
كل حضارة مهددة تحمل السؤال ذاته. عندما دمّرت أجزاء من مدينة تدمر السورية، لم تتوقف الحرب. عندما تعرضت آثار الموصل للتخريب، لم يتحرك العالم إلا بعد وقوع الكارثة. وعندما أصابت الحروب مواقع أثرية في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، اكتشف العالم مرة أخرى أن قيمة التراث ترتفع دائما بعد تدميره لا قبله. وكأن الإنسانية لا تتذكّر ذاكرتها إلا عندما تفقدها. هذا أكبر سوء فهم في النقاش كله. عندما يقصف موقع أثري، لا تدمّر أعمدة فقط. بل تتعرض للتدمير: الذاكرة الجماعية. الشرعية التاريخية. الهوية الثقافية. الرواية الوطنية. الاقتصاد السياحي. القوة الناعمة للدول. ولهذا أصبحت الآثار جزءا من الصراع الجيوسياسي نفسه. فالسيطرة على الأرض تعني أحيانا السيطرة على السردية. ومن يملك السردية يملك جزءا من المستقبل. فهل أصبح التراث رهينة الجغرافيا العسكرية؟
هنا نصل إلى أخطر الأسئلة. ماذا يحدث عندما تقع مواقع التراث العالمي داخل مسار الحروب؟ هل ينبغي تحييدها بالكامل؟ من يراقب ذلك؟ ومن يفرضه؟ في الواقع لا توجد سلطة عالمية قادرة على فرض “منطقة منزوعة الحرب” حول كل موقع أثري. وحتى لو وجدت الإرادة السياسية، فإن الحروب الحديثة تتميز بخصائص تجعل حماية التراث أكثر صعوبة: الأسلحة بعيدة المدى. القتال داخل المدن. تعدد الفاعلين المسلحين. الحروب غير المتماثلة. انهيار الحدود بين المدني والعسكري. ولهذا أصبحت الآثار تعيش في منطقة رمادية بين القانون والنار. كثيرون يسألون: أين صوت اليونسكو؟ أين صوت الأمم المتحدة؟ أين المجتمع الدولي؟ لكن السؤال الأدق قد يكون: هل المشكلة في الصمت أم في العجز؟ فالمنظمات الدولية لم تبنَ لتكون سلطة فوق القوى الكبرى. لقد أنشئت أساسا عبر توافقات سياسية بين الدول نفسها. وعندما تتعارض المصالح الاستراتيجية مع المبادئ الثقافية، تظهر حدود النظام الدولي بوضوح قاس. إنها اللحظة التي يكتشف فيها العالم أن الشرعية الأخلاقية ليست دائما مساوية للقدرة التنفيذية.
لو عاد الفيلسوف الألماني والتر بنيامين اليوم، ربما لقال إن كل وثيقة حضارة تحمل في داخلها أيضا وثيقة بربرية. ولو عاد هيغل، لربما رأى أن التاريخ يتحرك عبر الصراعات لا عبر المتاحف. أما حنة أرندت فقد تسأل سؤالا آخر: كيف يمكن للعالم أن يحافظ على “العالم المشترك” إذا كان كل طرف مستعدّا لتدمير أجزاء من ذاكرة الجميع؟ فالتراث العالمي ليس ملك شعب واحد. إنه أرشيف الإنسانية كلها. وعندما يتضرر موقع في صور أو تدمر أو الموصل، فإن الخسارة لا تصيب بلدا فقط، بل تصيب الفكرة نفسها التي تقول إن للبشرية ذاكرة مشتركة. هناك عدة احتمالات يمكن أن يعيد التاريخ من خلالها تشكيل دوره:
السيناريو الأول: استمرار العجز
تبقى اليونسكو مؤسسة توثيق وإنذار مبكر دون أدوات تنفيذية حقيقية. وفي هذه الحالة ستستمر في تسجيل الخسائر أكثر من منعها.
السيناريو الثاني: حماية رقمية للتراث
قد تتجه البشرية إلى مسح ثلاثي الأبعاد شامل للمواقع الأثرية. سنحفظ المدن رقميا حتى لو اختفت ماديا. لكن السؤال المرعب يبقى: هل نسخة رقمية من معبد تعادل المعبد نفسه؟
السيناريو الثالث: آلية دولية جديدة
قد تظهر مستقبلا قوة قانونية أو تقنية تربط حماية التراث بعقوبات تلقائية أو مراقبة فورية بالأقمار الصناعية. لكن تحقيق ذلك يتطلب توافقا دوليا يبدو بعيدا في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب.
السيناريو الرابع: نهاية مفهوم “التراث المحايد”
ربما تدخل البشرية مرحلة يصبح فيها كل موقع تاريخي جزءا من الحسابات الجيوسياسية، فتفقد الآثار وضعها الرمزي المحايد. وهذا سيكون أخطر تحول ثقافي منذ الحرب العالمية الثانية.
في صور لم تصب أعمدة رومانية فقط. لقد أصيب سؤال أكبر: ما قيمة التراث العالمي إذا كان العالم نفسه عاجزا عن حمايته؟ وما معنى إدراج موقع على قوائم الإنسانية إذا كانت الإنسانية لا تملك وسيلة فعالة للدفاع عنه؟ ربما لم تعد القضية قضية آثار. بل قضية النظام الدولي كله. فبينما يتحرك الصاروخ بسرعة الصوت، ما زالت القرارات الدولية تتحرك بسرعة البيروقراطية. وبين السرعتين، تقف الأعمدة القديمة وحيدةً تحت السماء، تستمع إلى دويّ القرن الحادي والعشرين، وتتساءل بصمت حجريّ عميق: هل أصبح التاريخ مجرد ضحية جانبية في حروب المستقبل؟
📲 Partager sur WhatsApp