ميشال بلاتيني: صراع النفوذ في كرة القدم

بقلم زكية لعروسي, باريس

كانت الرياضة، في أساطيرها الأولى، تشبه نهرا صافيا يمر بين المدن والقبائل، يحمل المنافسة النبيلة كما تحمل الرياح رائحة الحقول. ثم حدث شيء ما في الطريق. كبرت الملاعب. كبرت العقود. كبرت الشاشات. كبرت البنوك. وصغرت الروح الرياضية. واليوم، حين نقرأ عن المواجهة القضائية الجديدة بين ميشال بلاتيني وجيياني أنفنتينو، فإن السؤال يتجاوز شخصين وصراعا قانونيا. نحن أمام نافذة نادرة نطل منها على البنية العميقة للسلطة في كرة القدم العالمية. القضية ليست من يحاكم من. بل من يحكم من. لو هبط مؤرخ من القرن التاسع عشر إلى عالم اليوم، لاعتقد أن الفيفا دولة. بل ربما إمبراطورية. فهي تملك: ميزانيات تفوق دولا عديدة. نفوذا إعلاميا عابرا للقارات. قدرة على التأثير في الحكومات. شبكة تحالفات عالمية. سلطة رمزية على مليارات البشر.

من هنا يصبح الصراع على رئاسة الفيفا شبيها بالصراع على عرش سياسي أكثر منه منافسة إدارية. حينها نفهم لماذا تتحول الانتخابات الرياضية إلى معارك استخباراتية وقانونية وإعلامية. فالسلطة، أينما وجدت، تجذب حولها الجاذبية نفسها. في الرواية الظاهرة، يبدو الأمر بسيطا. أسطورة فرنسية. ثلاث كرات ذهبية. رئيس ناجح للاتحاد الأوروبي. مرشح قوي لرئاسة الفيفا. ثم تظهر قضية مالية قديمة. ثم تبدأ التحقيقات. ثم تتوقف الحملة. ثم يختفي الطريق إلى الرئاسة. لكن في الرواية العميقة التي يحاول بلاتيني رسمها اليوم، لا يتعلق الأمر بخطأ إداري أو سوء فهم قانوني. بل بشبكة مصالح رأت أن وصوله إلى قمة الفيفا يهدد توازنات قائمة. هنا يبدأ السؤال الجيو-رياضي الحقيقي: هل تتحكم الكفاءة في صعود القيادات الرياضية؟ أم تتحكم موازين القوة؟

لو جلس نيكولو ميكيافيلي في مقصورة كبار الشخصيات أثناء إحدى مباريات كأس العالم، ربما لم يكن سيشعر بالغربة. لأن ما وصفه قبل قرون لا يزال يعمل حتى اليوم. السلطة لا تمنح. السلطة تنتزع. والحفاظ عليها أصعب من الوصول إليها. في عالم الرياضة الحديثة، لا تكفي الشعبية. ولا تكفي الأسطورة. ولا يكفي المجد الرياضي. بل يجب أن تمتلك: شبكة تحالفات. أصواتا انتخابية. دعما ماليا.نفوذا مؤسّساتيا. وهكذا تتحول كرة القدم من مباراة داخل الملعب إلى مباراة أكبر خارجه.

قارئي العزيز… إذا طرحنا السؤال: من هو أعظم لاعب في كرة القدم الحديثة؟ قد يقول البعض ميسي. وقد يقول آخرون رونالدو. لكن الجواب الجيو-اقتصادي مختلف. إنه المال. المال هو اللاعب الوحيد الذي يشارك في جميع المباريات. لا يصاب. لا يعتزل. لا يحصل على بطاقة حمراء. لقد أصبحت كرة القدم صناعة عالمية تتجاوز قيمتها مئات المليارات. وحيث توجد هذه الثروة الهائلة، تظهر تلقائيا: جماعات النفوذ. صراعات المصالح. التنافس على مراكز القرار. الحروب القانونية والإعلامية. ليس لأنّ الرياضة فاسدة بالضرورة. بل لأن السلطة والثروة تجذبان الصراعات أينما وجدتا. هل ما زالت الرياضة قادرة على إنتاج العدالة؟ أم أنها أصبحت تعكس اختلالات العالم نفسه؟ عندما ننظر إلى المؤسسات الرياضية الكبرى، نلاحظ أنها أصبحت تشبه النظام الدّولي: تحالفات. انتخابات. لوبيات. توازنات قوى. صراعات نفوذ. وكأنّ الملعب لم يعد منفصلا عن السياسة. بل أصبح امتدادا لها. فماذا لو كان بلاتيني محقا؟

هذا احتمال. وماذا لو لم يكن محقا؟ هذا احتمال آخر. المحلل الجاد لا يصدر أحكاما مسبقة. لكنه يطرح الأسئلة. إذا أثبتت المحاكم صحة ادعاءاته، فإننا نكون أمام واحدة من أخطر قضايا النفوذ في تاريخ الرياضة الحديثة. أما إذا لم تثبت، فإن القضية ستبقى مثالا على كيف يمكن للصراعات الشخصية والمؤسساتية أن تمتد سنوات طويلة داخل هياكل الحكم الرياضي. وفي الحالتين، يبقى الضرر الأكبر واقعا على صورة اللعبة نفسها. قال الفيلسوف الفرنسي جان بودرييارد: إن المجتمعات الحديثة تستبدل أحيانا الرموز القديمة برموز جديدة. واليوم، بالنسبة لمليارات البشر، أصبحت كرة القدم إحدى هذه الرموز. إنها ليست مجرد لعبة. إنها:دين مدني جديد.هوية. ذاكرة. وطن مؤقت. لغة عالمية. ولهذا فإن الأزمات داخل مؤسساتها تهز الثقة العامة بطريقة تتجاوز حدود الرياضة.

السيناريو الأول: معركة قانونية طويلة

قد تمتد القضية لسنوات جديدة، مع تبادل الوثائق والشهادات والطعون، دون تغيير جذري في موازين القوة.

السيناريو الثاني: إعادة فتح ملفات قديمة

قد تدفع هذه الخطوة أطرافا أخرى إلى مراجعة أحداث 2015 وما تلاها، مما يعيد الجدل إلى قلب المؤسسة الدولية.

السيناريو الثالث: انتصار المؤسسة على الأفراد

وهو السيناريو الأكثر تكرارا تاريخيا. تمر الشخصيات. وتبقى المؤسسات. لكن الثمن يكون تراجع الثقة الشعبية.

السيناريو الرابع: إصلاحات جديدة

إذا تزايد الضغط الإعلامي والقانوني، فقد نشهد مطالبات أوسع بالشفافية والحوكمة داخل كرة القدم العالمية. ربما ليست القضية الحقيقية هي بلاتيني أو إنفانتينو. بل سؤال أعمق: كيف تحولت اللعبة التي ولدت في الشّوارع والساحات التّرابية إلى إمبراطورية مالية تتنازع فيها مراكز القوة كما تتنازع الدول مناطق النفوذ؟ وهل ما زالت الرياضة تصنع المال لخدمة اللعبة؟ أم أن اللعبة أصبحت تدار لخدمة المال؟ هناك، في مكان ما بين صفارة الحكم وأصوات المحامين، بين المدرّجات وقاعات المحاكم، يقف المشجع العادي حائرا. جاء يبحث عن هدف جميل. فاكتشف أن خلف كل هدف عالماً كاملاً من المصالح والتحالفات والمعارك الصامتة. وربّما يكون هذا هو السؤال الفلسفي الأكبر في رياضة القرن الحادي والعشرين: هل ما زلنا نشاهد كرة القدم… أم أننا نشاهد السلطة وهي ترتدي قميصا رياضي؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *