بقلم جورج ميلوسان- بوخارست
ثمة لحظات في التاريخ لا تعلن عن نفسها عبر المدافع أو المعاهدات، بل عبر تحول بطيء في موازين القوة، أشبه بانزياح القارات تحت سطح المحيط. لا يسمعه أحد في البداية، لكن الجميع يشعر بنتائجه لاحقا. هذا ما يدفع عدداً متزايداً من المحللين اليوم إلى التساؤل: هل يتجه العالم نحو نظام ثنائي جديد تقوده الولايات المتحدة والصين؟ وهل أصبح الحديث عن «مجموعة السبع» أو حتى عن «التعددية القطبية» مجرد بقايا لغة تنتمي إلى مرحلة انتهت بالفعل؟ في هذا المشهد، لا تظهر أوروبا بوصفها أحد صانعي اللعبة، بل كقوة تبحث عن موقعها داخل لعبة يعيد الآخرون رسم قواعدها.
من التعددية إلى الثنائية المقنّعة
بعد نهاية الحرب الباردة، ساد الاعتقاد بأن العالم يتجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تتوزع فيه القوة بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين وقوى صاعدة أخرى. لكن العقد الأخير كشف مساراً مختلفاً. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية الأولى عالمياً. والصين أصبحت القوة الاقتصادية الوحيدة القادرة على منافستها على نطاق كوني. أما بقية القوى، مهما بلغ وزنها، فتبدو عاجزة عن الوصول إلى مستوى التّأثير نفسه. من هنا تبرز فكرة «G2» غير المعلنة: واشنطن وبكين باعتبارهما القطبين الحقيقيين للنظام العالمي القادم.
أوروبا: عملاق اقتصادي أم قزم استراتيجي؟
السؤال الذي يطارد القارة الأوروبية منذ سنوات لم يعد اقتصاديا. فالاتحاد الأوروبي يمتلك اقتصادا ضخما وسوقا موحدة ومؤسسات متقدمة. لكن الإشكال يكمن في مكان آخر: هل يملك الاتحاد الأوروبي إرادة جيوسياسية موحدة؟ هنا تتجلى المعضلة. فعندما يتعلق الأمر بالأمن، تبقى المظلة الأميركية حاضرة بقوة. وعندما يتعلق الأمر بالطاقة، تظهر الانقسامات. وعندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع الصين أو روسيا، تتباين الحسابات الوطنية بصورة واضحة. لذلك يرى بعض المراقبين أن أوروبا تعيش مفارقة تاريخية: قوة اقتصادية من الطراز الأول، لكنها لم تنجح بعد في التحول إلى قوة استراتيجية مستقلة بالكامل.
الصين: الإمبراطورية التي تتقدم بهدوء
لا تتحدث بكين كثيرا عن الهيمنة. وهي نادرا ما تستخدم اللغة الأيديولوجية التي ميزت الحرب الباردة. لكن الصين تمارس نوعا مختلفا من التوسع. توسع يعتمد على: التجارة. التكنولوجيا. البنية التحتية. سلاسل التوريد. النفوذ المالي. إنها تبني النفوذ عبر الموانئ أكثر مما تبنيه عبر القواعد العسكرية. وعبر الاستثمارات أكثر مما تبنيه عبر التحالفات التقليدية. وهذا ما يجعل صعودها أكثر تعقيداً وأصعب على الاحتواء.
ترامب والعالم بوصفه صفقة
من جهة أخرى، يمثل الرئيس الأميركي ترامب رؤية مختلفة للعلاقات الدولية. في هذه الرؤية لا تُقاس التحالفات بالرمزية أو التاريخ المشترك. بل بالمصلحة المباشرة. الدول ليست أصدقاء دائمين. ولا خصوما دائمين. بل شركاء محتملون داخل ميزان الربح والخسارة. لذلك ينظر كثير من المحللين إلى السياسة الخارجية الترامبية باعتبارها انتقالا من دبلوماسية القيم إلى دبلوماسية الصفقات.
تايوان: الجزيرة التي تختصر العالم
تبقى تايوان النقطة الأكثر حساسية في المعادلة الدولية. فهي ليست مجرد جزيرة. إنها عقدة استراتيجية تجمع بين: التكنولوجيا المتقدمة. أشباه الموصلات. الأمن الإقليمي. هيبة القوى الكبرى. بالنسبة لبكين، تمثل مسألة سيادة ووحدة وطنية. وبالنسبة لواشنطن، تمثل ورقة توازن في مواجهة النفوذ الصيني. أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فهي مركز عصبي لا يمكن تجاهله. ولهذا فإن مستقبل تايوان قد يكون أحد العوامل الحاسمة في تحديد شكل النظام الدولي القادم.
روسيا: من قطب إلى شريك أصغر؟
من أكثر الأفكار إثارة للجدل في هذا النقاش تلك المتعلقة بمكانة روسيا. فبعد سنوات من السعي إلى ترسيخ عالم متعدد الأقطاب، تجد موسكو نفسها في وضع أكثر تعقيدا. فالعقوبات الغربية، والحرب الطويلة، والتحولات الاقتصادية العالمية دفعت روسيا إلى تعميق علاقاتها مع الصين. لكن هذا التقارب يثير سؤالا استراتيجيا: هل أصبحت روسيا شريكا متكافئا لبكين؟ أم أنها تتحول تدريجيا إلى شريك أصغر داخل معادلة تهيمن عليها القوة الاقتصادية الصينية؟ لا توجد إجابة نهائية حتى الآن، لكن النقاش يزداد حضورا داخل الأوساط الاستراتيجية الدولية.
رومانيا والخوف القديم من الجغرافيا
بالنسبة إلى رومانيا، لا يبدو هذا الجدل نظريا. فالدول الواقعة على التخوم الشرقية لأوروبا تنظر إلى التحولات الجيوسياسية من زاوية مختلفة. هناك شعور دائم بأن الجغرافيا لا تمنحها ترف الانتظار. وأن أي تفاهم بين القوى الكبرى قد ينعكس مباشرة على أمنها وموقعها داخل النظام الأوروبي والأطلسي. لذلك يصبح السؤال الأساسي في بوخارست: كيف يمكن لدولة متوسطة الحجم أن تضمن بقاءها ضمن الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى؟
هل انتهى عصر التعددية؟
ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كان «G2» سيولد رسميا. بل ما إذا كانت المؤسسات التي شكلت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ما زالت قادرة على الاحتفاظ بمركزيتها. فكلما ازداد وزن التفاهمات الثنائية بين القوى الكبرى، تراجع دور المؤسسات الجماعية. وهنا تكمن المفارقة. لقد بني النّظام الدولي الحديث على فكرة التعاون متعدد الأطراف. لكن العالم يبدو اليوم أكثر ميلا إلى منطق التفاوض المباشر بين القوى الكبرى.
خاتمة: إذا لم تكن على الطاولة…
هناك عبارة قديمة في علم السياسة تقول: «إذا لم تكن على الطاولة، فقد تكون ضمن قائمة الطعام.» وربما تختصر هذه العبارة جوهر المخاوف الأوروبية الحالية. فالعالم يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها الأوهام وتتصدر المصالح. وتعود فيها الجغرافيا السياسية إلى قلب المشهد بعد عقود من الحديث عن العولمة والاعتماد المتبادل. لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن الأنظمة الدولية لا تبقى ثابتة. فما يبدو اليوم ثنائية صلبة قد يتحول غدا إلى توازن أكثر تعقيدا. ويبقى السؤال مفتوحا: هل نشهد ولادة نظام عالمي جديد تقوده واشنطن وبّكين؟ أم أننا نعيش فقط مرحلة انتقالية طويلة لم تتضح ملامحها النهائية بعد؟
📲 Partager sur WhatsApp
