بقلم زكية لعروسي, باريس
في كل مرة تشتعل فيها منطقة الشرق الأوسط، لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك معها خرائط المال والطاقة والمخاطر. فالحروب الحديثة لم تعد أحداثا عسكرية معزولة، بل أصبحت ظواهر اقتصادية كلية تعيد رسم سلوك المستثمرين، وتغير اتجاهات رؤوس الأموال، وتعيد تسعير الأصول المالية في غضون ساعات قليلة. ما شهدته الأسواق العالمية عقب التصعيد العسكري الأخير بين إسرائيل وإيران لا يمثل مجرد رد فعل نفسي مؤقت، بل يعكس حقيقة أعمق: الاقتصاد العالمي لا يزال رهينة الجغرافيا السياسية للطاقة. فلماذا ارتعبت الأسواق بهذه السرعة؟ تاريخيا، لا تخاف الأسواق من الحروب بحد ذاتها. إنها تخاف من المجهول. المستثمر يستطيع تسعير الحرب عندما يعرف حدودها. لكنه يعجز عن تسعير الفوضى. ولهذا كان رد الفعل عنيفا. فالأسواق لا تنظر إلى الصواريخ التي سقطت بالفعل. بل إلى الصواريخ التي قد تسقط غدا. ولا تسعر الواقع فقط. بل تسعر الاحتمالات.
قد يبدو هذا الاستنتاج صادما. لكن الأسواق لا ترى الحرب الحالية باعتبارها مواجهة بين دولتين فقط. إنها تنظر إلى ثلاثة مخاطر استراتيجية كبرى:
1- خطر توسع الحرب إقليميا
إذا انخرطت أطراف إضافية في المواجهة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة من عدم اليقين الأمني المستدام.
2- خطر اضطراب سلاسل الطاقة
كل برميل نفط يمر عبر الخليج العربي أصبح اليوم جزءا من معادلة المخاطر.
3- خطر التضخم العالمي الجديد
وهذا هو الكابوس الحقيقي للبنوك المركزية.
كان العالم يعتقد أنه بدأ يقترب من نهاية دورة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الأوكرانية. لكن النفط عاد ليذكر الجميع بحقيقة قديمة: الطاقة هي أم الأسعار. عندما يقترب خام برنت من 100 دولار للبرميل، لا يرتفع سعر الوقود فقط. بل ترتفع معه: تكاليف النقل. تكاليف الصناعة. أسعار الغذاء. تكاليف الشحن. أسعار الخدمات. وبالتالي فإن موجة تضخم جديدة قد تبدأ بالانتشار عبر الاقتصاد العالمي كما تنتشر الدوائر فوق سطح الماء بعد سقوط حجر. لماذا, إذن, انهارت أسهم التكنولوجيا أوّلا؟ لأن التكنولوجيا تعيش على المستقبل. والحروب تقتل اليقين. الشركات التقنية الكبرى تعتمد على: التّمويل الرّخيص. توقّعات النّمو. شهيّة المستثمرين للمخاطرة. لكن عندما ترتفع أسعار الفائدة أو تزداد المخاطر الجيوسياسية، يتحول المستثمرون من الأصول عالية المخاطر إلى الملاذات الآمنة. ولهذا رأينا موجة بيع عنيفة في أسواق التكنولوجيا. إنها ليست أزمة شركات. بل أزمة توقعات. هناك نقطة صغيرة على الخريطة تملك قدرة هائلة على تغيير الاقتصاد العالمي. إنها مضيق هرمز…هذا الممر البحري ليس مجرد طريق مائي. إنه شريان الطاقة الرئيسي للكوكب. ولهذا فإن مجرد الحديث عن اضطراب محتمل في حركة الملاحة داخله كافٍ لدفع أسعار النفط نحو مستويات جديدة. في الاقتصاد، أحياناً تكفي المخاوف دون وقوع الحدث نفسه. فهل تستطيع أوبك+ إنقاذ السوق؟ نظريا نعم. عمليا ليس بالسهولة المتوقعة. فالزيادة الأخيرة في الإنتاج تبدو محدودة مقارنة بحجم المخاطر الجيوسياسية. السوق لا تنظر فقط إلى عدد البراميل المضافة. بل إلى عدد البراميل المهددة بالاختفاء. وهنا تكمن المشكلة. إذا شعر المتعاملون أنّ ملايين البراميل معرضة للخطر، فإنّ مئات الآلاف من البراميل الإضافية ؟لن تكون كافية لطمأنة الأسواق. من الرابحون و منم هم الخاسرون

الرابحون المحتملون شركات النفط والطاقة. منتجو الغاز الطبيعي. شركات الدفاع والصناعات العسكرية. الذهب والأصول الآمنة. بعض العملات الدفاعية. الخاسرون المحتملون شركات الطيران. قطاع السياحة العالمي. الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. الأسواق الناشئة المستوردة للنفط. شركات الشحن والخدمات اللوجستية. ولهذا ليس مفاجئا أن تتوقع المؤسسات الدولية تراجع أرباح شركات الطيران بشكل كبير. فالوقود يمثل أحد أكبر عناصر التكلفة التشغيلية لديها. إذا عادت الأطراف إلى التهدئة خلال أسابيع قليلة، فقد تتراجع أسعار النفط سريعا. وسيعود المستثمرون تدريجيا إلى الأصول الخطرة. هذا هو السيناريو المفضل للأسواق. في هذه الحالة قد يستقر النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة. وسيصبح التضخم مجدّدا المشكلة الأولى عالميا. قد يقع اضطراب واسع في هرمز, وهذا السيناريو هو الأكثر خطورة. عندها قد نشهد: قفزات حادّة في النّفط. تباطؤا اقتصاديا عالميا. ضغوطا تضخمية هائلة. اضطرابات في التجارة الدولية.
إنّ السؤال الذي قد يقلق وول ستريت أكثر من الحرب نفسها ليس السؤال: من انتصر عسكريا؟ بل: كم سيستمر عدم اليقين؟ فالأسواق تستطيع التكيف مع الأخبار السيئة. لكنها تعجز عن التكيف مع الغموض. ولهذا فإنّ العامل الأكثر أهمية اليوم ليس عدد الصواريخ ولا حجم الدّمار. بل المدّة الزّمنية التي ستبقى فيها المنطقة داخل دائرة التصعيد. تكشف الأحداث الأخيرة مرة أخرى أن الاقتصاد العالمي، رغم الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي والعولمة المالية، ما زال مرتبطا بعناصر تبدو قديمة: النّفط. الممرّات البحرية. الجغرافيا. والقوة العسكرية. لقد اعتقد كثيرون أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن البيانات والخوارزميات. لكن الأسواق تذكّرنا اليوم بحقيقة أكثر تواضعا: ما دام النفط يسري في شرايين الاقتصاد العالمي، فإن دويّ الصواريخ في الشرق الأوسط سيظل قادرا على تحريك شاشات التداول في طوكيو ولندن وباريس ونيويورك.
📲 Partager sur WhatsApp