ترامب والاستيلاء على رمز ناروتو

بقلم زكية لعروسي, باريس

كان الملوك في القديم ينقشون وجوههم على العملات، ويشيدون المسلات، ويتركون للتاريخ حجارة تتكلم نيابة عنهم. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد ضاقت الحجارة عن حمل الأنا السياسية، فانتقلت السلطة إلى فضاء أكثر خفّة وأشدّ فتكا: فضاء الصورة والميم والرمز الشعبي. هناك، حيث يتجاور الفيلسوف مع المؤثر، والجنرال مع لاعب الألعاب الإلكترونية، يصبح بطل مانغا ياباني جزءا من معركة النفوذ العالمية. حين يظهر رئيس دولة عظمى في هيئة “ناروتو”، لا يتعلّق الأمر بمجرد مزحة إلكترونية أو محاولة لكسب إعجابات إضافيّة على منصة اجتماعية. إنّنا أمام ظاهرة أعمق: انتقال السياسة من إدارة الوقائع إلى إدارة المخيّلة. كان الجاحظ، لو قدّر له أن يشهد هذا العصر، لربما كتب فصلا جديدا في “كتاب البخلاء”، لا عن بخل الدراهم، بل عن شراهة السياسيين إلى الرموز. فالسّاسة قديما كانوا يطلبون الأرض، ثم طلبوا الثروات، ثم طلبوا السيطرة على الأخبار. أما اليوم فإنّهم يطلبون احتلال الخيال ذاته.

ثمة عبارة عربية تقول: “لم يترك أخضر ولا يابس”. وهي عبارة تكاد تصف منطق السياسة الترامبية في بعدها الإعلامي. فكلّ شيء قابل لأن يتحوّل إلى مادّة سياسيّة: المصارعة الحرّة، والسّينما، والرّياضة، والذّكاء الاصطناعي، والآن المانغا اليابانيّة. ليس المقصود هنا شخص دونالد ترامب وحده بقدر ما هو نموذج سياسي كامل. نموذج أدرك أن المواطن المعاصر لا يعيش داخل الكتب أو الصحف بقدر ما يعيش داخل الصور والرموز السّريعة. ولذلك فإن معركة النفوذ لم تعد تدور حول البرامج الاقتصادية فقط، بل حول من يملك القدرة على احتلال شاشة الهاتف. ومن هنا تكتسب شخصية مثل “ناروتو” قيمة استراتيجية. فهي ليست مجرد بطل خيالي؛ إنها جزء من ذاكرة عاطفيّة مشتركة لملايين البشر عبر القارات. وحين يعاد توظيفها سياسيا، فإن ما يجري ليس استعارة فنيّة بريئة، بل محاولة للاستفادة من الرّصيد العاطفي الذي راكمته الشخصية عبر عقود.

تحدث جوزيف ناي عن “القوة الناعمة”، أي قدرة الدّول على التأثير عبر الثقافة والجاذبيّة. لكن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك نحو ما يمكن تسميته “القوة المتخيّلة”. فالدّولة لم تعد تكتفي بتصدير أفلامها أو موسيقاها، بل تسعى إلى استعارة ثقافة الآخرين وإعادة تدويرها داخل خطابها السّياسي. وهنا يظهر التوتّر الذي أثارته الاحتجاجات اليابانيّة. فبالنسبة لكثير من المعجبين، لا يمثل ناروتو مجرّد منتج ترفيهي، بل إرثا ثقافيا يحمل قيما معينة: المثابرة، والصداقة، والتضحية، والتغلب على العزلة. وعندما يستدعى هذا الرمز إلى ساحة الاستقطاب السياسي، يشعر البعض وكأن جزءا من ذاكرتهم الشخصية قد أعيدت مصادرته. لو عاد أفلاطون من منفاه الزمني وتأمّل هذا المشهد، لوجد أنّ “جمهوريته” القديمة قد تحولت إلى مسرح من الظلال الرقمية. فالسياسة لم تعد تناقش الأفكار المجردة بقدر ما تدير الانطباعات. لقد كان أفلاطون يخشى الشّعراء لأنهم يصنعون الصور. أمّا اليوم فإن السياسي نفسه أصبح شاعرا من نوع جديد؛ لا يكتب القصائد، بل يصنع الميمات. وفي هذا العالم الجديد تصبح الصورة أقوى من البيان، والرمز أسرع من الحجّة، والانتشار أهمّ من التّفسير.

إنّ السياسة الحديثة لا تزداد جدّية كلما تعقدت الأزمات العالمية، بل تبدو أحيانا أكثر اقترابا من صناعة الترفيه. الحروب قائمة، والاقتصادات مضطربة، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل، ومع ذلك نجد النقاشات العامة تدور حول صور معدلة ومقاطع قصيرة ورموز ثقافية مستعارة. ليس ذلك انحطاطا بالضرورة، بل تحوّل بنيوي في طبيعة المجال العام. فالمواطن المعاصر يستهلك السّياسة بالطّريقة نفسها التي يستهلك بها المسلسلات والألعاب والمنصّات الرقمية. فما الذي تكشفه قصّة ناروتو؟ تكشف قبل كل شيء أن العالم دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الجغرافيا وحدها ساحة الصراع. لقد أصبحت المخيلة البشرية نفسها أرضا متنازعا عليها. لم تعد الدّول تتنافس فقط على الموانئ والممرات البحرية والموارد الطبيعية، بل تتنافس أيضا على الشخصيات الخياليّة، وعلى الرموز، وعلى القصص التي يسردها النّاس لأنفسهم عن العالم. وفي هذا المشهد يبدو ترامب عرضا لمرض أوسع من ترامب نفسه: عصر تذوب فيه الحدود بين الرئيس والمؤثّر، وبين الدّولة والعلامة التّجارية، وبين السّياسة وصناعة الفرجة. وحين يصل العالم إلى هذه النقطة، لا يعود السّؤال: لماذا ظهر رئيس في هيئة ناروتو؟ بل يصبح السؤال الأعمق: من يحكم العالم حقّا؟ السّياسي الذي يستخدم الرّمز، أم الرّمز الذي أصبح يستخدم السّياسي؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *